في زمن المنصات المفتوحة والملايين من المتابعين، أصبحت “الشهرة” فخاً خفياً قد ينزلق فيه الداعية من حيث لا يشعر. فبينما يسعى لنشر الخير، قد تسرقه الأضواء ليصبح همُّه “رضا الجمهور” بدلاً من “رضا الخالق”، و”عدد المشاهدات” بدلاً من “جودة الأثر”. والثبات في هذا الميدان يحتاج إلى يقظة دائمة وحراسة مشددة للقلب.
أولاً: تجديد النية عند كل “نقرة” إنَّ العمل الرقمي يتميز بالسرعة والتكرار، وهذا قد يُحول الدعوة إلى “عادة” مجردة من الروح. القاعدة الذهبية للثبات هي التوقف قبل كل منشور أو مقطع أو تغريدة لسؤال النفس: “لمن أنشر هذا؟”. إذا وجدتَ في قلبك رغبة في ثناء الناس أو تصدّر المجالس، فجدد التوبة واستحضر عظمة الله، وتذكر أنَّ قبول العمل عند الله لا يقاس بـ “الإعجابات” بل بصدق الإخلاص.
ثانياً: الحذر من “نشوة” الأرقام الخوارزميات ذكية في إغراء النفس البشرية؛ فالصعود السريع للأرقام يعطي شعوراً مزيفاً بالأهمية. الداعية الثابت هو من ينظر للأرقام كـ “مسؤولية” لا كـ “تشريف”. تذكر أنَّ كل متابع هو “خصمٌ” لك يوم القيامة يسألك الله عما قدمت له، وأنَّ الله قد يبارك في كلمة يسمعها عشرة أشخاص فيغير حياتهم، أكثر مما يبارك في محتوى يشاهده الملايين ويمر عليهم مر الكرام.
ثالثاً: لزوم خلوات العبادة أكبر عدو للشهرة الرقمية هو “خلوة السر”. فبقدر ما تظهر للناس في العلن، يجب أن يكون لك نصيب وافر من العبادة التي لا يعلم عنها أحد إلا الله. البكاء في السجود، وصدقة السر، وملازمة القرآن بعيداً عن الكاميرات، هي “المثبتات” التي تحفظ القلب من القسوة، وتمنع “الأنا” من التضخم. إنَّ الذي يستمد قيمته من وقوفه بين يدي الله، لا تضره مدائح الخلق ولا تفتنه أضواؤهم.
رابعاً: قبول النقد واستشارة الموثوقين من فتن الشهرة أنها تمنح الإنسان شعوراً بالعظمة يمنعه من رؤية عيوبه. الداعية الموفق هو من يحيط نفسه بإخوة صادقين وعلماء راسخين ينصحونه إذا زل، ويقومونه إذا مال. لا تغتر بكثرة المادحين في التعليقات، فكثير منهم يحب فيك “الصورة” لا الحقيقة، واجعل أذنك صاغية لمن يحبك في الله بصدق وينبهك لثغرات نفسك.
الخلاصة العملية: يا من تصدرت لشاشات الناس، تذكر أنَّ الشهرة الرقمية “ظل زائل”، والأثر الباقي هو ما كُتب لك في صحائف السماء. اجعل من منصاتك جسراً للناس نحو الله، لا جداراً يحجبهم عن الله بصورتك. كن خفياً في ظهورك، صادقاً في حضورك، واجعل همك أن يُعرف الحق لا أن تُعرف أنت.
قال تعالى: ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ [ هود: 88]