إنَّ المتأمل في دعوات الأنبياء جميعاً يجد خيطاً ناظماً لا ينقطع، وهو البدء بالأصل قبل الفرع، وبالعقيدة قبل العمل. فالمنهج النبوي في التغيير لم يبدأ بمطالبة الناس بتعديل سلوكياتهم الظاهرة فحسب، بل بدأ باقتلاع جذور الشرك وزرع شجرة التوحيد في القلوب؛ لأنَّ بناء الأعمال بلا عقيدة كبناء الصروح على الرمال.

أولاً: التوحيد هو الغاية والمبتدأ لقد مكث النبي ﷺ في مكة ثلاث عشرة سنة يرسخ عقيدة “لا إله إلا الله”. والسر في ذلك أنَّ الاستجابة لأوامر الشرع من صلاة وصيام وحجاب وترك للمحرمات، لا تنبع إلا من قلبٍ وحَّد الله وعظَّمه وخافه. الداعية البصير لا ينشغل بفرعٍ قبل أن يتأكد من سلامة الأصل؛ فإذا صحَّ التوحيد في القلب، سَهُلت بعده كل طاعة، وإذا فُقد التوحيد، لم تنفع معه كثرة أعمال.

ثانياً: العقيدة هي مصدر “الحرارة” في الدعوة ما الذي يجعل الداعية يثبت أمام التحديات؟ وما الذي يجعل الكلمة تخرج قوية مؤثرة؟ إنه اليقين بما عند الله. فالعقيدة ليست مجرد “مباحث نظرية” تُدرس في الكتب، بل هي “قوة دافعة” تجعل الداعية يعلق رجاءه بالله وحده، فلا يخشى في الله لومة لائم، ولا يطلب ثناءً من الخلق. تصحيح العقيدة يعطي للداعية “سمتاً” ربانياً يراه الناس في صدقه وتوكله قبل كلامه.

ثالثاً: سلامة المنهج في محاربة الشركيات يواجه الداعية في واقعه المعاصر صوراً شتى من انحراف العقيدة؛ من تعلق بالتمائم، أو اللجوء لغير الله في الكربات، أو الغلو في الصالحين. والواجب الدعوي يقتضي تبيان هذه المخالفات برفق وعلم، وربط القلوب بمسبب الأسباب وحده. إنَّ تنقية التوحيد من شوائب الشرك هي أعظم خدمة يقدمها الداعية لأمته؛ لأنها تحرر العقول من العبودية للمخلوق إلى العبودية للخالق.

رابعاً: العقيدة والقبول عند الناس من بركة البدء بالعقيدة أنَّ الله يضع لصاحبها القبول. فالقلوب مفطورة على حب التوحيد، وحين يتحدث الداعية عن عظمة الله، وأسمائه وصفاته، وحقوقه على عباده، فإنه يلمس وتراً حساساً في الفطرة البشرية. إنَّ الناس قد يختلفون في الفروع، لكنَّ “كلمة التوحيد” هي التي تجمع شتاتهم وتوحد صفهم إذا عُرضت بصفائها المعهود في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.

الخلاصة العملية: يا من نذرت نفسك لبلاغ هذا الدين، اجعل “التوحيد” هو أول ما تدعو إليه، وآخر ما توصي به. لا تمل من تكرار دروس العقيدة، واجعلها حاضرة في كل موعظة وبطاقة تنشرها؛ فكل خير في الدنيا والآخرة هو ثمرة من ثمار توحيد الله، وكل شر وفساد سببه الغفلة عن هذا الأصل العظيم.

قال تعالى: ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ [ هود: 88]