في عالم الفضاء الرقمي، قد يظن البعض أن “ضغطة زر” هي فعل عابر لا أثر له، لكن في موازين الله قد تكون سبباً في إنقاذ نفس من الهلاك. هذه القصة الواقعية تجسد كيف يمكن لرسالة واحدة، خرجت بصدق وفي وقتها المناسب، أن تهدم جبالاً من الغفلة وتبني صروحاً من الهداية.
أولاً: الرسالة التي لم تكن في الحسبان يحكي أحد الشباب أنه كان غارقاً في دوامة من المعاصي والآثام، وكان قد وصل إلى مرحلة من اليأس والقنوط يظن فيها أن باب التوبة قد أُغلق في وجهه. وفي ليلة من ليالي الوحشة، وصلته “رسالة واتساب” من شخص لا يعرفه جيداً، لم تكن الرسالة وعظاً غليظاً ولا تهديداً بالوعيد، بل كانت آية واحدة مكتوبة بخط واضح ومذيلة بكلمة “أبشر.. فالله ينتظرك”. كانت الآية هي قوله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ}.
ثانياً: أثر الصدق في الكلمة يقول الشاب: “قرأتُ الآية مئات المرات من قبل، لكن هذه المرة شعرتُ أنها موجهة لي أنا شخصياً. سقطت دموعي على شاشة الهاتف، وأحسستُ برعشة في قلبي لم أعهدها”. هنا تكمن العبرة للداعية؛ فالكلمة الصادقة لها “نور” يسبقها إلى قلب المتلقي. إنَّ الذي أرسل الرسالة لم يكن يملك استوديو ولا ميكروفوناً، بل ملك “نية صالحة” وهاتفاً بسيطاً، فبارك الله في القليل حتى بلغ مبلغه.
ثالثاً: ما وراء الشاشات أرواح تتألم يجب أن يدرك الداعية الرقمي أن خلف كل حساب يتابعه إنساناً بقلب ومشاعر، وربما يكون في أمسّ الحاجة إلى كلمة تجبر خاطره أو تقربه من ربه. الدعوة عبر الواتساب أو منصات التواصل ليست مجرد “نشر آلي” للمحتوى، بل هي “إغاثة” للأرواح التائهة. إنَّ اختيارك للمحتوى الرقيق الذي يفتح باب الرجاء هو مفتاح القلوب المغلقة في هذا العصر.
رابعاً: كن أنت تلك الرسالة هذه القصة تضعنا أمام مسؤولية كبيرة؛ فربما تكون أنت “السبب” الذي يرسله الله لإنسان على حافة الهاوية. لا تستهن بإرسال مقطع مؤثر أو آية كريمة أو حديث نبوي شريف، فقد تكون تلك الرسالة هي “القشة” التي يتعلق بها الغريق، وهي “الدمعة” التي تغسل خطايا السنين.
الخلاصة العملية: لا تبخل بكلمة الحق، ولا تتردد في نشر الخير؛ فالحكمة تقول: “ربَّ كلمة لا تلقي لها بالاً، ترفعك في الجنة درجات، وترفع معك أقواماً إلى رب الأرض والسموات”. ابدأ بهاتفك، وبث الأمل فيمن حولك، فالدعوة بالحب أسرع وصولاً من الدعوة بالزجر.
قال تعالى: ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ [ هود: 88]