باب التشديد في حق من يأمر بالخير ولا يعمل به

من أعظم ما شدد الشرع في التحذير منه: أن يكون الإنسان داعيًا إلى الطاعة بلسانه، مخالفًا لها بفعله؛ يأمر الناس بالبر وينسى نفسه، وينهى عن المنكر وهو واقع فيه.

أولًا: الدلالة القرآنية على خطورة التناقض

ورد في القرآن الكريم عتاب شديد لمن يفعل ذلك، قال تعالى:

﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 44]

فالآية توبّخ من يدعو إلى الخير وهو مقصّر في نفسه، وتستنكر هذا التناقض؛ لأن من يقرأ كتاب الله ويعلم أوامره أولى الناس بالامتثال.

وقال سبحانه:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ۝ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2-3]

فبيّن أن القول بلا عمل من أعظم ما يُمقَت عليه العبد، أي يُبغَض ويُسخَط عليه.

كما أخبر الله عن نبيه شعيب عليه السلام أنه قال لقومه:

﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: 88]

أي: لا أنهى عن أمر ثم أقع فيه، ولا أدعو إلى صلاح وأنا أول المخالفين له. وهذه سمة الأنبياء والصالحين: سبقهم إلى ما يدعون إليه، وبعدهم عما يحذرون منه.


ثانيًا: الوعيد في السنة النبوية

ثبت في الصحيح عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال:

«يؤتى بالرجل يوم القيامة فيُلقى في النار، فتندلق أمعاؤه، فيدور بها كما يدور الحمار في الرحى، فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا فلان، ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه».

وهذا تصوير شديد يبيّن عاقبة من جعل دعوته مجرد كلام لا يصدقه عمل.


ثالثًا: لماذا كان هذا الذنب خطيرًا؟

  1. لأنه جمع بين تقصيرين: ترك الامتثال، وخداع الناس بالمظهر.

  2. لأنه يُسقط هيبة الحق في القلوب.

  3. لأنه يفتح باب الاستهزاء بالدين.

  4. لأنه يشبه حال من سبق من الأمم الذين ذمّهم الله بذلك.

فالمطلوب من الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يكون أول الممتثلين، وأبعد الناس عن المخالفة.


رابعًا: هل يسقط عنه واجب الدعوة إذا قصّر؟

مع خطورة هذا الذنب، لا يعني ذلك أن من وقع في معصية يترك الأمر بالمعروف بالكلية؛ بل الواجب عليه أمران معًا:

  • أن يدعو إلى الخير.

  • وأن يجاهد نفسه ليعمل بما يقول.

فلا يُترك واجب الدعوة بحجة التقصير، بل يُضاف إلى ذلك واجب التوبة والمجاهدة.

قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: 69]

فالمؤمن الحق هو الذي يحارب المنكر في نفسه أولًا، ثم يسعى لإزالته من مجتمعه.


خامسًا: صور من التناقض العملي

من الأمثلة على ذلك:

  • أن يحث الناس على صلاة الفجر وهو يضيّعها.

  • أن ينهى عن شرب الخمر ويقع فيها.

  • أن يحذر من الغش ويغش.

  • أن يدعو لخلق حسن ويعامل الناس بسوء.

هذه الصور لا تُسقط أصل الدعوة، لكنها تجعل صاحبها على خطر عظيم إن لم يُبادر بالتوبة.


سادسًا: الموقف المتوازن

الموقف الصحيح يجمع بين:

  • الدعوة إلى الله.

  • مراقبة النفس.

  • الاستحياء من المخالفة.

  • الاستغفار الدائم.

  • الحرص على أن يطابق الفعل القول قدر الاستطاعة.

فالكمال لله وحده، لكن الإصرار على التناقض بلا توبة هو موطن الخطر.


سابعًا: دروس مستفادة

  1. العلم مسؤولية قبل أن يكون مكانة.

  2. الداعية قدوة قبل أن يكون واعظًا.

  3. أعظم ما يثبت الدعوة صدق صاحبها.

  4. العمل الصالح هو الحارس الحقيقي للكلمة.


خلاصة الباب

  • القول بلا عمل سبب للمقت الإلهي.

  • الأنبياء قدوة في موافقة أفعالهم لأقوالهم.

  • الوعيد شديد لمن اعتاد مخالفة ما يدعو إليه.

  • الواجب الجمع بين الدعوة والإصلاح الذاتي.

  • المجاهدة الصادقة طريق النجاة.

نسأل الله أن يجعل أقوالنا موافقة لأعمالنا، وأن يرزقنا الصدق والإخلاص، وأن يعيننا على أنفسنا.

💡 زادٌ إضافي: لا تقف هنا! رحلة التزود مستمرة في [صفحة زاد الداعية الرسمية]، حيث جمعنا لك مئات المقالات والمواد العلمية التي تهم كل مسلم داعية. (اضغط هنا للرجوع للرئيسية ▶)

قال تعالى: ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ [ هود: 88]