فقهُ الائتلافِ: كيفَ نتعاملُ معَ التعدديةِ الدعويةِ؟

إنَّ العملَ للإسلامِ مِساحةٌ واسعةٌ تتسعُ لجهودِ الجميع، والاختلافُ في طرائقِ الدعوةِ وأساليبِها هو اختلافُ “تنوعٍ” لا اختلافُ “تضاد”. الداعيةُ البصيرُ هو من يدركُ أنَّ الجماعاتِ والمؤسساتِ الدعويةَ هي روافدُ في نهرٍ واحد، وأنَّ الأصلَ هو التعاونُ على البرِّ والتقوى، لا الصراعُ على كسبِ الأتباعِ أو إثباتِ الأفضلية. إنَّ فقهَ الائتلافِ يوجبُ علينا أن نبنيَ الجسورَ حيثُ يبني الآخرونَ الجدران.

أولاً: ركائزُ العملِ الجماعيِّ المشترك

لكي يكونَ التعددُ قوةً للأمةِ لا ضعفاً، يجبُ مراعاةُ الآتي:

  • وحدةُ الهدف: مهما اختلفتِ الوسائل، يبقى الهدفُ الأسمى هو تعبيدُ الناسِ لربِّ العالمين ونشرُ قيمِ الإسلام؛ فكلُّ من يخدمُ هذا الهدفَ هو رفيقُ درب.

  • إحسانُ الظن: حملُ تصرفاتِ العاملينَ في الحقولِ الدعويةِ الأخرى على المحملِ الحسن، والابتعادُ عن لغةِ التخوينِ أو التبديعِ لمجردِ اختلافِ المنهجِ في الفروع.

  • تكاملُ الأدوار: هذا يهتمُّ بالقرآن، وذاك بالتقنية، والآخرُ بالعملِ الخيري؛ وهذا التنوعُ هو الذي يغطي ثغورَ الأمةِ كُلَّها.

ثانياً: آفاتُ الفرقةِ ومخاطرُ الحزبية

  • الولاءُ والبراءُ الضيق: من أخطرِ الأمورِ أن يكونَ الولاءُ لـ “الجماعةِ” أو “الشخص” مقدماً على الولاءِ لـ “الأمة” ومبادئِ الدين الكلية.

  • هدرُ الطاقات: انشغالُ الدعاةِ بالردِّ على بعضهم البعضِ يتركُ الساحةَ فارغةً للمتربصينَ بالدينِ ليحققوا أهدافهم دونَ مقاومة.

  • تشويهُ صورةِ التدين: حين يرى عامةُ الناسِ النزاعَ بين الدعاة، يفقدونَ الثقةَ في الجميعِ وينفرونَ من طريقِ الالتزام.

ثالثاً: ضوابطُ النقدِ البنّاءِ بينَ الدعاة

  1. المناصحةُ السرية: إذا رأيتَ من أخيكَ في حقلٍ دعويٍّ آخرَ خطأً، فليكن عتابكَ له “بيناً وبينك” حفظاً لكرامتهِ ووحدةِ الصف.

  2. العدلُ والإنصاف: عندَ الحديثِ عن جهودِ الآخرين، اذكرْ محاسنهم كما تذكرُ مآخذهم؛ فالحقُّ أحقُّ أن يتبع.

  3. السكوتُ عما لا ينفع: في أوقاتِ الأزمات، يكونُ الصمتُ عن مواطنِ الخلافِ واجباً شرعياً لجمعِ الكلمةِ وتأليفِ القلوب.

الخلاصةُ العمليةُ:

أخي الداعية، إنَّ الساحةَ تسعُ الجميع، والعدوَّ لا يفرقُ بيننا. كن “مفتاحاً للخيرِ مغلاقاً للشر”، واجعل قلبك يتسعُ لكلِّ من قال “لا إله إلا الله” وعملَ لنصرتها. تذكرْ أننا كالبنيانِ المرصوصِ يشدُّ بعضهُ بعضاً؛ فإذا انشغلَ كُلُّ حجرٍ بمحاربةِ الحجرِ الذي بجانبه، سقطَ البنيانُ كُلُّه.

نصيحةُ: بادر بزيارةِ القائمين على المؤسساتِ الدعويةِ الأخرى في منطقتك، واعرضْ عليهم التعاونَ في مشروعٍ مشترك؛ فهذه الخطوةُ تكسرُ حواجزَ الوهمِ وتصنعُ واقعاً من الأخوةِ الصادقة.

💡 زادٌ إضافي: لا تقف هنا! رحلة التزود مستمرة في [صفحة زاد الداعية الرسمية]، حيث جمعنا لك مئات المقالات والمواد العلمية التي تهم كل مسلم داعية. (اضغط هنا للرجوع للرئيسية ▶)

قال تعالى: ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ [ هود: 88]