الداعيةُ والسياسةُ: ضوابطُ التعاملِ معَ المتغيراتِ

تعدُّ العلاقةُ بينَ الداعيةِ والسياسةِ من أكثرِ القضايا شائكيةً في العصرِ الحديث. فبينما يرى البعضُ ضرورةَ انغماسِ الداعيةِ في أدقِّ تفاصيلِ العملِ السياسي، يرى آخرون اعتزالَها بالكلية. والحقيقةُ أنَّ الداعيةَ لا يمكنهُ العيشُ بمعزلٍ عن واقعِ أمته، لكنَّ دخولهُ في هذا المعتركِ يجبُ أن ينضبطَ بضوابطَ شرعيةٍ ومنهجيةٍ تحمي “الدعوةَ” من أن تكونَ أداةً في الصراعاتِ الحزبيةِ الضيقة.

أولاً: التفريقُ بينَ الثوابتِ والمتغيرات

الداعيةُ هو حارسُ القيمِ والثوابت، بينما السياسةُ تقومُ غالباً على المصالحِ المتغيرة:

  • حفظُ المبادئ: يجبُ أن لا تُقحمَ نصوصُ الوحيِ في تبريرِ مواقفَ سياسيةٍ عابرةٍ قد تتغيرُ غداً؛ لكي لا يسقطَ هيبةُ النصِّ الدينيِّ بسقوطِ الموقفِ السياسي.

  • السياسةُ الشرعية: إنَّ السياسةَ بمعناها الواسع (رعايةُ شؤونِ الأمةِ بالعدل) هي جزءٌ من الدين، لكنَّ ممارستَها تتطلبُ فقهاً بمآلاتِ الأفعالِ وموازنةِ المصالحِ والمفاسد.

ثانياً: ضوابطُ الخطابِ الدعويِّ في الشأنِ العام

عندما يتحدثُ الداعيةُ في شأنٍ سياسيٍّ أو عام، عليهِ مراعاةُ الآتي:

  1. التثبتُ منَ الأخبار: السياسةُ عالمٌ مليءٌ بالشائعاتِ والمؤامرات؛ لذا لا يجوزُ للداعيةِ أن يبنيَ موقفاً شرعياً بناءً على “خبرٍ صحفيٍّ” أو “تسريبٍ” غيرِ مؤكد.

  2. العدلُ والموضوعية: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا}؛ فالداعيةُ ينقدُ الخطأَ حيثُ كان، ويثني على الصوابِ حيثُ كان، دونَ تعصبٍ لجهةٍ أو حزب.

  3. الحذرُ منَ الاستقطاب: دورُ الداعيةِ هو “تجميعُ الأمة” على الحق، وليس الانحيازَ الذي يمزقُ الصفوفَ ويحولُ بيوتَ اللهِ إلى ساحاتٍ للصراعِ الفكري.

ثالثاً: فقهُ الموازناتِ وتجنبُ الفتن

السياسةُ هي فنُّ الممكن، وغالباً ما يضطرُ العاملُ فيها لاختيارِ “أخفِّ الضررين”:

  • اجتنابُ الغوغائية: يجبُ أن لا ينجرفَ الداعيةُ خلفَ العواطفِ الثائرةِ التي قد تؤدي إلى فتنٍ تزهقُ فيها الأنفسُ وتضيعُ فيها المكتسباتُ الدعوية.

  • النصحُ لا التشهير: في التعاملِ معَ الحكامِ وأصحابِ القرار، المنهجُ النبويُّ يقومُ على “النصيحةِ الصادقة” بالسرِّ ما أمكن، لتأليفِ القلوبِ وتحقيقِ الإصلاحِ الحقيقيِّ بعيداً عن ضجيجِ المحافل.

الخلاصةُ العمليةُ:

أخي الداعية، كن “رجلَ مبدأ” لا “رجلَ مصلحة”. شاركْ في قضايا أمتك بهمِّ المصلح، وبصيرةِ العالم، ورحمةِ المربي. لا تجعلِ السياسةَ تبتلعُ دعوتَك، بل اجعلْ قيمَ الدعوةِ هي التي تهذبُ السياسة. إذا كان كلامُك في الشأنِ العامِ سيفتحُ باباً للفتنةِ أو يصدُّ الناسَ عنِ الصلاةِ والهداية، فالصمتُ حينها هو “السياسةُ الشرعية” الأكمل.

نصيحةُ: تذكرْ أنَّ الحكوماتِ والأنظمةَ تتغير، والتحالفاتِ تتبدل، أما “دعوةُ الله” فهي الباقية. فاجعلْ رصيدكُ عندَ اللهِ وفي قلوبِ الناسِ أكبرَ من أيِّ مكسبٍ سياسيٍّ زائل.

💡 زادٌ إضافي: لا تقف هنا! رحلة التزود مستمرة في [صفحة زاد الداعية الرسمية]، حيث جمعنا لك مئات المقالات والمواد العلمية التي تهم كل مسلم داعية. (اضغط هنا للرجوع للرئيسية ▶)

قال تعالى: ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ [ هود: 88]