فقهُ الموازناتِ وتطبيقاتُه المعاصرةُ في الدعوةِ
إنَّ الدعوةَ إلى اللهِ ليست مجردَ إطلاقِ شعاراتٍ أو وعظٍ مجرد، بل هي “صناعةُ واقعٍ” يتطلبُ قدراً عالياً من الحكمةِ والبصيرة. وهنا يبرزُ “فقهُ الموازناتِ” كواحدٍ من أهمِّ الأسسِ المنهجيةِ التي يحتاجُها الداعية، وهو الفنُّ الذي يعنى بكيفيةِ الموازنةِ بين المصالحِ والمفاسد، واختيارِ “أهونِ الشرين” لدفعِ أكبرهما، وتحصيلِ “أعلى المصلحتين” بتفويتِ أدناهما.
أولاً: لماذا يحتاجُ الداعيةُ لهذا الفقه؟
الواقعُ المعاصرُ مليءٌ بالتعقيداتِ التي لا تمنحُ الداعيةَ خياراتٍ “بيضاءَ” أو “سوداءَ” دائماً، بل يجدُ نفسه أمامَ مواقفَ تتزاحمُ فيها الحقوقُ:
-
درءُ المفاسد: فإذا أدى إنكارُ منكرٍ صغيرٍ إلى وقوعِ منكرٍ أكبرَ منه، فإنَّ فقهَ الموازناتِ يأمرُ بالصبرِ ريثما تتهيأُ الظروف.
-
جلبُ المصالح: تقديمُ المصلحةِ العامةِ للأمةِ (كحقنِ الدماءِ أو وحدةِ الصف) على المصالحِ الفئويةِ أو الشخصيةِ الضيقة.
-
الواقعيةُ الدعوية: لكي لا يعيشَ الداعيةُ في مثاليةٍ حالمةٍ تنعزلُ عن مشاكلِ الناسِ وتحدياتِ العصر.
ثانياً: قواعدُ حاكمةٌ في عمليةِ الموازنة
لكي لا يتحولَ الميزانُ إلى هوىً شخصي، لابدَّ من الانضباطِ بهذه القواعد:
-
تقديمُ الواجبِ على المندوب: فلا ينشغلُ الداعيةُ بتطويرِ مهاراتٍ تقنيةٍ ثانويةٍ وهو مقصرٌ في أساسياتِ العلمِ الشرعيِّ أو الفرائض.
-
رعايةُ مصلحةِ الجماعةِ على الفرد: مصلحةُ بقاءِ المؤسسةِ الدعويةِ وتأثيرِها في المجتمعِ تُقدمُ على رغباتِ الأفرادِ في البروزِ أو التصدر.
-
الموازنةُ بين العاجلِ والآجل: قد يُضحي الداعيةُ بمكسبٍ سريعٍ وصغيرٍ (كتحقيقِ نصرٍ كلاميٍّ في جدال) من أجلِ مصلحةٍ بعيدةٍ (كهدايةِ المدعو وتأليفه).
ثالثاً: تطبيقاتٌ معاصرةٌ للداعية
-
في الخطابِ الإعلامي: الموازنةُ بين قولِ الحقِّ كاملاً وبين اختيارِ الألفاظِ التي لا تسببُ فتنةً للمستضعفين أو تثيرُ عداءً لا طائلَ منه.
-
في العملِ المؤسسي: الموازنةُ بين الإنفاقِ على المظاهرِ والاحتفالاتِ، وبين الإنفاقِ على بناءِ الإنسانِ وتجهيزِ الكوادرِ الدعوية.
-
في التعاملِ مع المخالف: الموازنةُ بين مصلحةِ الردِّ على الخطأِ لحمايةِ العقيدة، وبين مصلحةِ إبقاءِ بابِ الحوارِ مفتوحاً لعلَّ اللهَ يهديه.
الخلاصةُ العمليةُ:
أخي الداعية، إنَّ “الميزان” أمانةٌ في يدك. لا تنظرْ إلى العملِ من زاويةٍ واحدة، بل كن واسعَ الأفق، قادراً على تقديرِ المآلات. إنَّ الحكمةَ ليست في معرفةِ الخيرِ من الشرِّ فحسب، بل هي في معرفةِ “خيرِ الخيرين” و”شرِّ الشرين”. استشرْ أهلَ العلمِ والخبرةِ في موازناتِك، لتسيرَ دعوتُك في طريقِ الرشادِ بعيداً عن التهورِ أو الجمود.
نصيحةُ: تأملْ دائماً في سيرةِ النبيِّ ﷺ في صلحِ الحديبية؛ كيف تنازلَ عن كتابةِ “بسم الله الرحمن الرحيم” وعن وصفه بـ “رسول الله” من أجلِ مصلحةٍ أعظمَ وهي حقنُ الدماءِ وفتحُ بابِ الدعوةِ للسلم، فكان ذلك “فتحاً مبيناً”.
💡 زادٌ إضافي: لا تقف هنا! رحلة التزود مستمرة في [صفحة زاد الداعية الرسمية]، حيث جمعنا لك مئات المقالات والمواد العلمية التي تهم كل مسلم داعية. (اضغط هنا للرجوع للرئيسية ▶)
قال تعالى: ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ [ هود: 88]