الثباتُ عندَ الفتورِ: وقفةٌ معَ قلبِ الداعية
يمرُّ على كلِّ داعيةٍ لحظاتٌ يشعرُ فيها بشيءٍ من الثقلِ في العمل، أو فتورٍ في الحماسِ الذي كان يوقدهُ في بداياته. وهذا الفتورُ هو منعطفٌ خطير؛ فإما أن يكونَ استراحةَ محاربٍ يعقبُها انطلاق، وإما أن يكونَ بدايةَ انحدارٍ يذهبُ ببركةِ العمل. إنَّ الداعيةَ الربانيَّ هو من يدركُ أنَّ الإيمانَ “يزيدُ وينقص”، فيُحسنُ التعاملَ مع فتراتِ النقصِ لئلا تتحولَ إلى قطيعة.
أولاً: أسبابُ تسللِ الفتورِ للروح
قبل العلاج، لابدَّ من معرفةِ الداء؛ ومن أبرزِ أسبابِ الفتورِ الدعوي:
-
الإغراقُ في الوسائلِ ونسيانُ المقاصد: عندما ينشغلُ الداعيةُ بالتنظيمِ والإدارةِ والتقنيةِ وينسى نصيبَهُ من الخلوةِ باللهِ والذكر.
-
استبطاءُ النتائج: الشعورُ بأنَّ الجهدَ المبذولَ لا يقابلهُ تغيرٌ ملموسٌ في واقعِ الناس، مما يبعثُ على اليأس.
-
إهمالُ حظِّ النفسِ من المباحات: فالدينُ متينٌ ولن يشادَّ الدينَ أحدٌ إلا غلبهُ، وإرهاقُ النفسِ فوقَ طاقتِها يولدُ ردةَ فعلٍ من الكسل.
ثانياً: استراتيجياتُ الثباتِ في أوقاتِ الضعف
لكي لا ينجرفَ الداعيةُ مع تيارِ الفتور، عليهِ باتباعِ الآتي:
-
التمسكُ بالفرائضِ والرواتب: إذا لم تنشطْ للنوافلِ الكبرى، فلا تسمحْ لنفسِكَ أبداً بالنزولِ عن سقفِ الواجباتِ والسننِ الرواتب؛ فهي حبالُ النجاة.
-
تغييرُ نوعِ العبادةِ أو العمل: إذا فترتَ عن التأليف، فاتجهْ للقراءة، وإذا فترتَ عن المحاضرات، فاجلسْ مع الشبابِ جلسةً ودية؛ فالتنوعُ يطردُ المللَ عن النفس.
-
صحبةُ السائرين: الرفقةُ الصالحةُ هي الوقود؛ فمن رآكَ فاتراً أخذَ بيدك، ومن رآكَ نشيطاً شجعكَ، والمرءُ بقليلِ نفسه كثيرٌ بإخوانه.
ثالثاً: الفتورُ كفرصةٍ لإعادةِ الحسابات
أحياناً يكونُ الفتورُ رسالةً من اللهِ لتصحيحِ المسار:
-
تمحيصُ القصد: هل كنا نعملُ لأننا “ألفنا” العمل، أم لأننا “نحب” العمل لله؟
-
تجديدُ الطريقة: لعلَّ الأسلوبَ القديمَ استُهلكَ، والفتورُ يدفعُكَ للبحثِ عن “إبداعٍ” جديدٍ يبعثُ النشاطَ في روحك وفيمن حولك.
الخلاصةُ العمليةُ:
أخي الداعية، لا تجزعْ من عارضِ الفتورِ إذا ألمَّ بك، ولكن احذرْ أن يطولَ مكثُه. اجعلْ لقلبكَ “خلوةً” تراجعُ فيها أوراقكَ مع الله، وتذكرْ قولَ النبيِّ ﷺ: «لكلِّ عملٍ شِرَّةٌ (نشاط)، ولكلِّ شِرَّةٍ فترةٌ، فمن كانت فترتُه إلى سُنَّتي فقد اهتدى». فكن في فترتكَ مستمسكاً بالسنةِ، قريباً من الله، وسيعودُ إليك نشاطُك بإذنِ اللهِ أقوى مما كان.
نصيحةُ: في لحظاتِ الفتورِ الثقيلة، أكثرْ من دعاء: “يا مقلبَ القلوبِ ثبتْ قلبي على دينك”، واقرأْ في سيرِ السلفِ الذين صبروا على بلاءِ الطريق؛ فالحكاياتُ جندٌ من جندِ اللهِ تثبتُ القلوب.
💡 زادٌ إضافي: لا تقف هنا! رحلة التزود مستمرة في [صفحة زاد الداعية الرسمية]، حيث جمعنا لك مئات المقالات والمواد العلمية التي تهم كل مسلم داعية. (اضغط هنا للرجوع للرئيسية ▶)
قال تعالى: ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ [ هود: 88]