حكم المداراة في الدعوة والفرق بينها وبين المداهنة

يحتاج الداعية في تعامله مع طبقات المجتمع المختلفة إلى قدرٍ كبير من الحكمة والسياسة الشرعية، ومن أهم الأدوات التي تعينه على ذلك فقه “المداراة”. إلا أنَّ الخطر يكمن في الخلط بينها وبين “المداهنة” المذمومة؛ فالمداراة خُلُق الأنبياء، والمداهنة مسلك الضعفاء الذين يقدمون رضا الخلق على رضا الخالق.

أولاً: تعريف المداراة وحكمها

المداراة هي التلطف بالجاهل أو صاحب الخلق السيئ، أو الصبر على الأذى لتأليف القلوب ودفع الشر، ومن صورها في الدعوة:

  • بذل الدنيا لصلاح الدين: كأن يتنازل الداعية عن حقه الشخصي، أو يتلطف في الكلام مع غليظ القلب طمعاً في هدايته.

  • حكمها: هي مندوبة ومستحبة، وقد تكون واجبة إذا كان يترتب عليها جلب مصلحة دعوية كبرى أو درء مفسدة عظيمة.

  • الدليل: قول النبي ﷺ: «إنَّ شرَّ الناسِ منزلةً عند اللهِ يومَ القيامةِ من ودَعَه الناسُ اتِّقاءَ فُحشِه».

ثانياً: حقيقة المداهنة وخطورتها

المداهنة هي التنازل عن شيء من الدين أو غض الطرف عن المنكر إرضاءً لأهواء الناس أو طمعاً في دنياهم، ومن صورها:

  1. بذل الدين لصلاح الدنيا: كأن يترك الداعية إنكار منكرٍ واضح خشية أن يفقد جماهيريته، أو يفتي بغير الحق ليرضي صاحب سلطة أو مال.

  2. إقرار الباطل: الصمت في مواطن البيان التي يحتاج الناس فيها لمعرفة الحكم الشرعي، مما يؤدي إلى تمييع الثوابت.

  3. حكمها: محرمة ومنهية عنها، لقوله تعالى: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ}.

ثالثاً: الفوارق الجوهرية للتميز بينهما

لكي يضبط الداعية ميزانه، عليه إدراك هذه الفوارق الثلاثة:

  • من حيث القصد: المداراة قصدها “الإصلاح وهداية الخلق”، أما المداهنة فقصدها “سلامة النفس ونيل الحظوة عند الناس”.

  • من حيث الثوابت: المداراة تكون في “الوسائل والأساليب” (كيف أتكلم؟)، أما المداهنة فتكون في “الغايات والأحكام” (ماذا أقول؟).

  • من حيث الأثر: المداراة تزيد الداعية هيبةً وقرباً من قلوب العقلاء، أما المداهنة فتسقط هيبته وتجعل المدعو يستصغر دينه ومبادئه.

الخلاصة العملية:

يا داعية الخير، تلطف مع العصاة لتأخذ بأيديهم (مداراة)، لكن لا تضحك من معاصيهم أو تهون من شأنها (مداهنة). كن ليناً في أسلوبك، صلباً في مبدئك؛ فالناس يحترمون الداعية الذي لا يساوم على دينه مهما كان لطيفاً معهم.

نصيحة: اختبر نفسك دائماً؛ إذا كان سكوتك عن منكرٍ ما سيؤدي لفتح باب هداية لاحقاً دون ضياع الحق فهذه مداراة، أما إن كان سكوتك لمجرد “الراحة النفسية” أو “خوفاً من النقد” فراجع ورعك.

💡 زادٌ إضافي: لا تقف هنا! رحلة التزود مستمرة في [صفحة زاد الداعية الرسمية]، حيث جمعنا لك مئات المقالات والمواد العلمية التي تهم كل مسلم داعية. (اضغط هنا للرجوع للرئيسية ▶)

قال تعالى: ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ [ هود: 88]