تعد “الوسطية” هي الميزة الكبرى لهذا الدين، وفي العمل الدعوي، تمثل الوسطية الميزان الدقيق الذي يحفظ للداعية توازنه. إنَّ أكبر تحدٍ يواجه المسلم في مسيرته هو كيف يظل ثابتاً كالجبل في مبادئه وثوابته الشرعية، وفي الوقت نفسه يكون ليناً كالماء في أسلوبه وتعاطله مع الناس. الوسطية ليست “تنازلاً” عن الحق، بل هي “حكمة” في تقديم هذا الحق للناس بما يجمعهم عليه ولا ينفرهم منه.

أولاً: الثبات في “الأصول” والمرونة في “الوسائل” الداعية الوسطي هو من يفرق بذكاء بين “الثابت” الذي لا يقبل المساومة كالعقيدة وقطعیات الشريعة، وبين “المتغير” الذي يخضع لاختلاف الزمان والمكان والوسائل. الثبات على الحق لا يعني الانغلاق أو استخدام لغة خشبية صادمة، بل يعني أن تُقدم هذا الحق الراسخ بأساليب عصرية ومرنة تلامس واقع الناس وتراعي ظروفهم، دون أن تذوب شخصيتك الدعوية في موجات التميع أو الغلو.

ثانياً: الرفق بالخلق من كمال العلم بالحق يعتقد البعض أنَّ القسوة والشدة هما دليل الغيرة على الدين، والحقيقة أنَّ الرفق هو أعلى مراتب الغيرة؛ لأنَّ المشفق على دين الله يحرص على ألا يغلق أبواب التوبة في وجوه الناس بفظاظته. إنَّ إدراكك لعظمة الحق الذي تحمله يجب أن يولد في قلبك رحمةً بالخلق؛ فالمقصرون هم مرضى يحتاجون إلى طبيب رفيق، لا إلى قاضٍ عنيف. الرفق ليس ضعفاً، بل هو قوة تحكم العاطفة بالعقل، والغيرة بالشرع.

ثالثاً: البعد عن الاستقطاب والحكم على النيات الوسطية الدعوية تقتضي الترفع عن تصنيف الناس والحكم على سرائرهم. دورنا هو البلاغ والبيان، أما القبول والتحول فهو بيد خالق القلوب. الداعية الوسطي يبني الجسور مع الجميع، ويفتح نوافذ الأمل، ويركز على المشتركات التي تجمع الأمة. إنه يدرك أنَّ المجتمع ليس “أبيض أو أسود” فقط، بل فيه مساحات رمادية تحتاج من يضيئها بنور الوحي وصبر المصلحين، بعيداً عن صراعات التيارات وجدل الانتماءات.

الخلاصة: الوسطية هي “طريق الأنبياء”؛ ثباتٌ لا يلين في وجه الباطل، ورحمةٌ لا تنضب في التعامل مع الخلق. إنَّ قدرتك على الجمع بين هيبة الحق ولين الجانب هي سر التوفيق في الدعوة. فكن جبلًا في يقينك، ونهرًا في رفقك، واعلم أنَّ الله يعطي بالرفق ما لا يعطي على غيره.

النصيحة: عندما تشعر بالرغبة في الشدة تجاه عاصٍ أو مخالف، تذكر كيف كان الله بك رحيماً وكيف سترك وأمهلك؛ فاجعل من ذكر رحمة الله بك دافعاً لرفقك بعباده، فالراحمون يرحمهم الرحمن.

قال تعالى: ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ [ هود: 88]