الدعوة في الأماكن العامة والمجالس الاجتماعية هي ممارسة يومية لكل مسلم يؤمن بشعار “كلنا دعاة”. ومع ذلك، فإنَّ هذه المساحات المفتوحة تتطلب فقهاً خاصاً وضوابط شرعية دقيقة؛ فالمقصد هو الإصلاح لا الفضيحة، والتأليف لا التنفير. إنَّ مراعاة “أدب النصيحة” في هذه المواقف هو ما يحدد مدى قبولها أو ردها، وهو الذي يحفظ للداعية هيبته وللمنصوح كرامته.
أولاً: الستر والخصوصية الأصل في النصيحة أنها “سر”، خاصة في الأماكن العامة. إنَّ توجيه النقد لشخص أمام الناس في مجلس أو في طريق يُعدُّ “توبيخاً” لا نصيحة، وغالباً ما يدفع المنصوح للعناد والانتصار لنفسه. الضابط الشرعي يقتضي أن تأخذ بيده جانباً، أو تنتظر انقضاء المجلس لتحدثه منفرداً برفق. تذكر قول الشافعي: “تَعَمَّدني بِنُصحِكَ في اِنفِرادي.. وَجَنِّبني النَصيحَةَ في الجَماعه”.
ثانياً: التثبت ومراعاة الحال قبل أن تبادر بالإنكار أو النصيحة في مجلس عام، يجب أن تتثبت من وقوع الخطأ فعلاً، وألا تبني نصيحتك على الظن. كما يجب مراعاة “حال الشخص”؛ فقد يكون جاهلاً بالحكم، أو متأولاً، أو غلبه حاله. اختيار الوقت المناسب والكلمة اللينة هو نصف النجاح؛ فربما يكون الشخص في حالة غضب أو ضيق لا تسمح له بتقبل الكلام، وهنا يكون تأخير النصيحة لموقت أفضل هو الحكمة والواجب.
ثالثاً: تجنب “التسلط” الدعوي من الضوابط الهامة ألا يتحول الداعية في المجالس إلى “قاضٍ” يراقب عثرات الناس ويصنفهم. يجب أن تتسم النصيحة بروح الأخوة والرحمة، لا بروح الاستعلاء بالعلم أو الصلاح. إذا رأيت منكراً في مجلس عام، وكان في إنكاره مفسدة أعظم (كأن يترتب عليه فتنة أو قطيعة رحم)، فاستخدم “التعريض” لا “التصريح”؛ كأن تذكر حكماً عاماً أو قصة دون توجيه الكلام لشخص بعينه، لتبرئ ذمتك وتحفظ المودة.
الخلاصة: النصيحة في المجالس “فن” يحكمه الشرع والعقل. الهدف هو كسب الشخص لا كسب الموقف. فإذا كانت نصيحتك ستزيد الفجوة أو تنفر الناس من الدين، فالتزم الصمت حتى تجد سبيلاً أرفق وأنجع، فالدين المعاملة، والرفق ما كان في شيء إلا زانه.
النصيحة: درب نفسك في المجالس العامة على “قاعدة الثلاث”: انصح سراً، وتحدث رفقاً، واقصد وجهاً (أي وجه الله). إذا اجتمعت هذه الثلاث في نصيحتك، كانت أرجى للقبول وأثقل في الميزان.
قال تعالى: ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ [ هود: 88]