يمثل المنكر الرقمي تحدياً يومياً للداعية؛ فبمجرد تمرير الشاشة، قد تقع عينه على مخالفة شرعية أو ظاهرة مجتمعية منحرفة. هنا يبرز سؤال “فقه الموازنات”: هل كل منكر نراه يجب أن ننكره علانية؟ وهل الصمت يُعدّ دائماً إقراراً؟ إنَّ الإنكار الرقمي ليس مجرد تفريغ لشحنة غضب، بل هو “فعل دعوي” مدروس يهدف إلى تغيير الواقع بأقل الخسائر وأكبر المكاسب الشرعية.
أولاً: موازنة المصالح والمفاسد إنَّ المقصد من الإنكار هو إزالة المنكر أو تقليله، فإذا كان إنكارك العلني على “ترند” معين سيؤدي إلى نشره وتوسيع دائرة مشاهِديه، فإنَّ الصمت هنا يكون أبلغ في وأده. الداعية الحكيم هو من يقدر: هل كلامي سيصلح الحال، أم سيفتح باباً من الفتنة والجدل العقيم الذي يزيد المنكر ظهوراً؟ تذكر أنَّ “السكوت عن الباطل في موضع يحييه، خير من ذكره في موضع يروج له”.
ثانياً: التفريق بين المنكر العام والخاص الأخطاء الفردية التي تقع من بعض الأشخاص يُفضل فيها “الستر” والنصح الخاص عبر الرسائل المباشرة؛ فالمؤمن يستر وينصح، والفاجر يهتك ويعيّر. أما المنكرات التي أصبحت ظواهر عامة تهدد ثوابت المجتمع وقيمه، فهنا يأتي دور البيان العام بأسلوب شرعي رصين، يركز على “نقد الفعل” وتوعية الناس بخطره، دون الحاجة إلى التشهير بالأشخاص إلا في حالات الضرورة القصوى التي يقدرها أهل العلم.
ثالثاً: اختيار الأسلوب والوقت المناسب الإنكار في المنصات الاجتماعية يتطلب “لطفاً” في العبارة و”قوة” في الحجة. استخدام العنف اللفظي أو التهديد الرقمي غالباً ما يولد ردة فعل دفاعية تجعل المخطئ يتمسك بخطئه. الداعية الموفق هو من يختار الكلمة التي “تستنقذ” الغريق ولا “تغرق” المركب، ويتحين الأوقات التي تكون فيها النفوس مهيأة للقبول، بعيداً عن تشنج الصراعات اللحظية.
الخلاصة: فقه الإنكار الرقمي هو فن “التغيير بذكاء”. ليس الهدف أن تبرئ ذمتك بالصراخ الرقمي فحسب، بل الهدف أن تؤثر في الواقع تأثيراً إيجابياً. أحياناً يكون تجاهل المنكر التافه إماتةً له، وأحياناً يكون البيان الصريح للحق واجباً لا يسع الداعية تركه.
النصيحة: قبل أن تنكر منكراً في صفحتك، اسأل نفسك: “هل هدفي أن يقل هذا المنكر، أم هدفي أن يرى الناس أنني أنكرت؟”؛ فإذا كان الأول فتخير أهدى السبل، وإذا كان الثاني فراجع إخلاصك.
قال تعالى: ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ [ هود: 88]