في عالمٍ يتسابق فيه الناس نحو “السبق” قبل “الصدق”، تصبح الشائعة أسرع انتشاراً من الحقيقة بآلاف المرات. الداعية هو حارس الوعي، وأي تهاون منه في نقل خبر كاذب أو شائعة مغرضة لا يخدش مصداقيته فحسب، بل يسيء إلى الرسالة التي يحملها. إن التعامل مع الأخبار في الفضاء الرقمي يتطلب “فقهاً استباقياً” يحمي المجتمع من الفتن والاضطراب.

أولاً: التثبت قبل التحدث القاعدة الذهبية التي أرساها القرآن الكريم هي “فتبينوا”. في المنصات الرقمية، التبين يعني التأكد من المصدر الأصلي للخبر، وعدم الاعتماد على الصور المفبركة أو النصوص المقصوصة من سياقها. الداعية الحكيم هو من يكبح جماح رغبته في التفاعل السريع حتى ينجلي غبار الحقيقة، فالخطأ في الصمت خيرٌ من الخطأ في الكلام الذي قد يهدم بيوتاً أو يمزق مجتمعات.

ثانياً: وأد الشائعة في مهدها أفضل طريقة لقتل الشائعة هي إهمالها وعدم تداولها، حتى لو كان القصد هو “الاستنكار”. في كثير من الأحيان، يساهم الناس في نشر الباطل وهم يظنون أنهم يحاربونه. إذا وصلت إليك شائعة تثير الفتنة أو تنال من الأعراض، فاجعلها تقف عندك ولا تجعل من صفحتك معبراً لها. تذكر أن إماتة الباطل تكون بهجره وعدم ذكره.

ثالثاً: صناعة الوعي البديل بدلاً من الانشغال بتتبع كل كذبة والرد عليها، يجب على الداعية أن يبني في متابعيه “عقلية ناقدة”. علّم الناس كيف يميزون بين الخبر الموثق والشائعة المجهولة، وانشر قيم الأمانة في النقل. عندما يتحول جمهورك إلى جيش من المتثبتين، ستفشل الشائعات في اختراق صفوفهم، وتتحول دعوتك إلى منارة للحق والصدق وسط ظلمات التزييف.

الخلاصة: الشائعات هي وقود الفتن الرقمية، والداعية هو صمام الأمان. إن التزامك بالصدق والتثبت ليس مجرد خلق شخصي، بل هو ضرورة دعوية لحفظ هيبة الدين وحماية عقول المتابعين من التضليل.

النصيحة: قبل أن تضغط على زر “مشاركة” لأي خبر مثير، اسأل نفسك: “هل أنا مستعد لمساءلة الله لي عن صدق هذا الخبر؟”، فإذا ارتبت، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك.

قال تعالى: ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ [ هود: 88]