هل يجوز للعاصي أن يُنكر المنكر؟
بيان علمي جامع في مسألة طال حولها الإشكال
يطرح بعض الناس سؤالًا مهمًا:
هل يحق لمن يقع في بعض الذنوب أن يأمر غيره بالمعروف أو ينهاه عن المنكر؟
ألا يدخل هذا في قوله تعالى:
﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾؟
وهل يُشترط في الآمر والناهي أن يكون مستقيمًا كامل الالتزام حتى يُقبل منه؟
هذا المقال يوضح المسألة تأصيلاً وميزانًا.
أولًا: الأصل أن الداعية قدوة
لا شك أن الأكمل والأفضل أن يكون الآمر بالمعروف من أهل الاستقامة، ظاهر العدالة، حسن السيرة؛ لأن ذلك أدعى لقبول الناس لكلامه وأقرب لتأثيره في القلوب.
فمن كان مستقيمًا في نفسه:
-
كان أوقع في النفوس.
-
وأبلغ في النصيحة.
-
وأقرب إلى استجابة الناس.
لكن هذا هو مقام الكمال، لا شرط الصحة.
ثانيًا: هل العدالة شرط لصحة الأمر بالمعروف؟
جمهور أهل العلم من السلف والخلف قرروا أن الاستقامة الكاملة ليست شرطًا لصحة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فلو اشترطنا العصمة من الذنب:
-
لتعطّل هذا الباب.
-
ولندر من يتكلم في الإصلاح.
-
ولأغلقنا شعيرة عظيمة من شعائر الدين.
لأن من الذي يخلو من التقصير؟
والقاعدة التي ذكرها العلماء أن الإنسان مأمور بأمرين مستقلين:
-
أن يترك المنكر.
-
وأن ينهى عنه.
فإن قصّر في أحدهما، لا يسقط عنه الآخر.
ثالثًا: ماذا عن النصوص التي توعّدت من يخالف قوله فعله؟
وردت نصوص شديدة في ذم من يقول ما لا يفعل، منها:
﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾
وكذلك الحديث الذي فيه أن الرجل يُلقى في النار فتخرج أمعاؤه ويدور بها، فيُقال له: ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟
وكذلك ما جاء في شأن من تُقرض شفاههم بمقاريض من نار لأنهم كانوا يخطبون ولا يعملون.
فهل معنى ذلك أن من وقع في معصية يجب عليه السكوت؟
الجواب: لا.
رابعًا: موضع الذم في هذه النصوص
التأمل في كلام أهل التفسير يبيّن أن الذم في الآيات والأحاديث إنما وقع على ترك العمل بالمعروف وارتكاب المنكر، لا على نفس الأمر بالمعروف.
بعبارة أوضح:
-
لم يُذم لأنه أمر بالخير.
-
بل ذُم لأنه ترك فعل الخير الذي أمر به.
فالأمر بالمعروف طاعة في نفسه،
وترك العمل به معصية مستقلة.
والجمع بين الطاعة والمعصية لا يُبطل الطاعة، لكنه يُحمِّل العبد مسؤوليتين.
خامسًا: خطأ القول بأن العاصي لا يُنكر
بعض الناس يقول: “لا ينبغي أن ينكر إلا من كان مستقيمًا تمامًا”.
وهذا القول يؤدي عمليًا إلى تعطيل فريضة الإصلاح، لأن الناس متفاوتون في التقوى، ولا أحد يسلم من زلل.
وقد نُقل عن بعض السلف أنهم قالوا:
لو لم يعظ الناس إلا من لا ذنب له، لما وعظ أحد.
بل ورد عن بعضهم أن الشيطان يودّ لو نجح في إقناع الناس بهذا، حتى يُغلق باب الأمر بالمعروف تمامًا.
سادسًا: الموقف الصحيح المتوازن
الموقف الذي عليه جمهور أهل العلم هو:
-
يجب على المسلم أن ينهى نفسه عن المنكر.
-
ويجب عليه أن ينهى غيره عنه.
-
ويأمر نفسه بالمعروف.
-
ويأمر غيره به.
فلا يُعفى من أحد الواجبين بسبب التقصير في الآخر.
لكن مع هذا يُقال:
كلما كان العبد أصدق امتثالًا، كان تأثيره أعظم.
سابعًا: هل هناك فرق بين الجاهل والعالم؟
نعم، العالم إذا خالف ما يعلم كان إثمه أعظم؛ لأنه يعصي على بصيرة.
فمن يعلم الحكم الشرعي ويخالفه:
-
يكون ذنبه أشد.
-
ويكون خطره أعظم.
-
وتكون حجته أضعف.
لكن ذلك لا يُسقط عنه واجب البيان.
ثامنًا: نصيحة عملية لمن يقع في بعض الذنوب
إذا كنت مقصرًا في أمر ما:
-
لا تترك الدعوة.
-
لا تبرر الذنب.
-
لا تستسلم لليأس.
-
جاهد نفسك.
بل اجعل أمرك بالمعروف دافعًا لك لتصحيح حالك.
قل الحق ولو كنت مقصرًا،
واستغفر الله على تقصيرك.
تاسعًا: خلاصة المسألة
-
الاستقامة الكاملة ليست شرطًا لصحة الأمر بالمعروف.
-
النصوص الواردة إنما ذمّت ترك العمل، لا نفس الدعوة.
-
الواجب على المسلم الجمع بين إصلاح نفسه وإصلاح غيره.
-
التقصير لا يُبيح ترك فريضة الإصلاح.
-
الأكمل والأولى أن يكون الداعية قدوة في قوله وفعله.
خاتمة
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دعامة من دعائم الدين، لا ينبغي أن تُعطّل بحجة وجود التقصير.
نعم، يجب أن نحاسب أنفسنا.
نعم، يجب أن نجاهدها.
لكن لا يجوز أن نجعل ذنوبنا سببًا لإسكات الحق.
نسأل الله أن يجعل أقوالنا موافقة لأعمالنا، وأن يصلح سرائرنا وعلانيتنا.
💡 زادٌ إضافي: لا تقف هنا! رحلة التزود مستمرة في [صفحة زاد الداعية الرسمية]، حيث جمعنا لك مئات المقالات والمواد العلمية التي تهم كل مسلم داعية. (اضغط هنا للرجوع للرئيسية ▶)
قال تعالى: ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ [ هود: 88]