هل الأمر بالمعروف خاص بالعلماء أم واجب على عامة المسلمين؟

من المفاهيم التي تحتاج إلى تصحيح:
أن بعض الناس يظن أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وظيفة رسمية، أو مهمة خاصة بأهل العلم، أو من يتقاضون أجرًا على ذلك.

والحقيقة أن هذه الشعيرة ليست منصبًا إداريًا، بل صفة إيمانية عامة.


أولًا: صفة المؤمنين جميعًا

جعل الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من صفات المؤمنين رجالًا ونساءً، فقال سبحانه:

﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: 71]

فالآية لم تخص:

  • العلماء دون غيرهم،

  • ولا الرجال دون النساء،

  • ولا أصحاب المناصب دون عامة الناس.

بل الخطاب عام لكل من تحققت فيه صفة الإيمان.


ثانيًا: هل يعذر من تركه لأنه لا يأخذ أجرًا دنيويًا؟

العبادات في الإسلام لا تقوم على الأجر الدنيوي، بل على طلب رضا الله.

فالصلاة، والصيام، والزكاة، وسائر الطاعات — هل يشترط فيها مقابل مادي حتى تكون واجبة؟

كذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عبادة، وأجرها عند الله، لا عند الناس.

فمن تركها بحجة أنه لا يُدفع له مقابل، فقد أخطأ في فهم طبيعة التكليف.


ثالثًا: هل الواجب على الجميع بنفس الدرجة؟

الأصل أن هذا الواجب عام، لكن تتفاوت درجاته:

  • على العلماء أعظم مسؤولية؛ لأنهم يعلمون.

  • وعلى الأمراء وأصحاب السلطة أوسع قدرة؛ لأن بأيديهم التغيير.

  • وعلى كل مسلم ومسلمة نصيب بحسب استطاعته.

فالواجب مرتبط بالقدرة والعلم والموقع.

من كان في بيته، فواجبه في بيته.
ومن كان في عمله، فواجبه في محيطه.
ومن كان ذا سلطة، فمسؤوليته أوسع.


رابعًا: هل هو فرض عين أم فرض كفاية؟

هذه الشعيرة لها حالتان:

1) فرض كفاية

إذا قام بها من يكفي في البلد أو المجتمع، سقط الإثم عن الباقين.

2) فرض عين

إذا رأيت منكرًا في مكان لا ينكره أحد، أو كنت أنت القادر الوحيد على تغييره، تعيّن عليك الإنكار.

فالمسألة ليست جامدة، بل تتغير بحسب الواقع.


خامسًا: خطورة ترك الإنكار

حذّر النبي ﷺ من التهاون، وبيّن أن ترك تغيير المنكر سبب للعقوبات العامة.

والعقوبة ليست بالضرورة عذابًا ظاهرًا فقط، بل قد تكون:

  • قسوة في القلوب،

  • ضعفًا في الغيرة،

  • انتشارًا للمعاصي،

  • تسلطًا للأعداء،

  • أو ابتلاءات عامة.

فالمجتمع الذي يسكت عن الخطأ يساهم في انتشاره.


سادسًا: مراتب الإنكار

بيّن النبي ﷺ أن للإنكار مراتب:

  1. باليد لمن له قدرة وسلطة.

  2. باللسان بالنصح والتوجيه.

  3. بالقلب بكراهة المنكر ومفارقة مجلسه.

ولا يُطلب من المسلم ما لا يطيق، لكن لا يُعفى من الحد الأدنى.


سابعًا: في زمن ضعف الغيرة

نحن نعيش زمنًا كثرت فيه المنكرات، وضعفت فيه هيبة الخطأ، وأصبح السكوت هو الأصل عند كثيرين.

وهنا تبرز الحاجة إلى إحياء هذه الشعيرة بروح حكيمة متزنة، بعيدًا عن العنف أو الفوضى، وبعيدًا كذلك عن اللامبالاة.

فالمجتمع لا يصلح إلا إذا:

  • وُجد من يذكّر،

  • ومن ينصح،

  • ومن يقف عند حدود الله.


ثامنًا: مسؤولية المرأة كما الرجل

المرأة كذلك مسؤولة:

  • في بيتها،

  • مع أولادها،

  • مع أخواتها،

  • في محيط عملها،

  • في مجتمعها.

فالخطاب الإيماني يشملها كما يشمل الرجل، ولكلٍّ مجاله الذي يُصلح فيه.


الخلاصة

  • الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على عموم المسلمين.

  • ليس خاصًا بأهل الحسبة أو أصحاب المناصب.

  • الأجر فيه عند الله، لا عند الناس.

  • يتفاوت الواجب بحسب القدرة والموقع.

  • تركه سبب لانتشار الفساد وخطر العقوبات العامة.

إنها ليست وظيفة رسمية،
بل هوية إيمانية.

وكلما حييت في الأمة هذه الشعيرة بحكمة وعدل،
حفظ الله بها دينها وأخلاقها وأمنها.

نسأل الله أن يجعلنا من الذين يقومون بالحق، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، على بصيرة ورحمة وحكمة.

💡 زادٌ إضافي: لا تقف هنا! رحلة التزود مستمرة في [صفحة زاد الداعية الرسمية]، حيث جمعنا لك مئات المقالات والمواد العلمية التي تهم كل مسلم داعية. (اضغط هنا للرجوع للرئيسية ▶)

قال تعالى: ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ [ هود: 88]