أخي الداعية المبارك، يا من ترفع لواء الحق في الفضاء الرقمي الشاسع؛ قف مع قلبك في خلوةٍ صادقة. إنَّ أخوف ما يُخاف على الداعية خلف الشاشات هو ذلك “العدو الخفي” الذي يتربص بالنيات؛ حب الظهور، وشهوة الثناء، وحب حصد الأرقام. إنَّ نور الإخلاص هو الذي يمنح كلماتك البركة، وهو السرُّ الذي يجعل حروفك تخترق الحجب لتستقر في القلوب. فهل سألت نفسك يوماً: هل أنا أنشر ليُعرف “اسمي”، أم لينتشر “الدين”؟

يا رفيق الدرب، إنَّ الإخلاص في العمل الرقمي يقتضي منك جهاداً مريراً لكي “تختفي” أنت، ويظهر “الحق” الذي تدعو إليه. الداعية المخلص هو كالجندي المجهول الذي يفتح الحصون، لا يهمه أن يُرفع اسمه فوق الأسوار، بل يهمه أن تُرفع راية التوحيد. عندما تتوارى خلف رسالتك، وتجعل من نفسك “قنطرة” يعبر الناس من خلالها إلى ربهم، لا إلى شخصك؛ حينها فقط يضع الله لك القبول في الأرض. اجعل همك أن يُهتدى بك إنسان، ولو لم يعرف من أنت، فالله يعلمك، وكفى بالله شهيداً.

اعلم يا رعاك الله، أنَّ شهرة الأرض قد تكون حجاباً عن شهرة السماء، وأنَّ الإعجاب الذي يحوطه الرياء هو هباءٌ منثور لا ينفعك يوم العرض. اجعل لنفسك “خبيئة” من العمل الرقمي لا يعلمها إلا الله؛ منشوراً تنشره بغير اسم، أو مساعدةً تقدمها لسائل في الخاص لا تبتغي منها جزاءً ولا شكوراً. إنَّ العمل الذي يُراد به وجه الله هو الذي يبقى وينمو، أما ما كان لغيره فإنه ينقطع وينمحي. فاستمسك بحبل الإخلاص، واجعل من “الخفاء” زينةً لدعوتك، ليُشرق نور يقينك في قلوب العباد.

النصيحة: كلما رأيت تفاعلاً كبيراً على منشورك، قل في سرك: “اللهم لا تزغ قلبي، واجعلني خيراً مما يظنون”، وتذكر أنَّ الميزان عند الله ليس بكثرة “اللايكات”، بل بصدق “النيات”.

قال تعالى: ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ [ هود: 88]