من سير الدعاة: الصبر على جفاء المدعوين

إنَّ طريق الدعوة ليس مفروشاً بالورود، بل هو طريقٌ شاق يحتاج إلى زادٍ من الصبر لا ينفد. ولعلَّ أقسى ما يواجهه الداعية ليس قلة الإمكانيات، بل هو “جفاء القلوب” وصدود المقربين. إنَّ المتأمل في سير الأنبياء والداعين من بعدهم يجد أنَّ العظمة لم تتحقق بكثرة الأتباع فحسب، بل بالقدرة العجيبة على الاستمرار في العطاء رغم نكران الجميل وقسوة الرد.

أولاً: الثبات في مدرسة الأنبياء

كان الأنبياء – عليهم السلام – هم القدوة الأعلى في امتصاص الجفاء وتحويله إلى وقود للمثابرة:

  • نوح عليه السلام: ظلَّ ينادي قومه “ألف سنة إلا خمسين عاماً”، واجه فيها السخرية والإعراض {وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ}، ومع ذلك لم يتوقف أو يتملكه اليأس.

  • النبي ﷺ في الطائف: خرج باحثاً عن نصير، فقابلوه بالحجارة وسفاهة الصبيان حتى دميت قدماه الشريفتان، وعندما جاءه ملك الجبال ليطبق عليهم الأخشبين، تجلى صبر الداعية الرحيم في قوله: «بل أرجو أن يخرجَ اللهُ من أصلابِهم من يعبدُ اللهَ وحدَه لا يشركُ به شيئاً».

ثانياً: لماذا يبتلي الله الداعية بجفاء الخلق؟

إنَّ هذا الجفاء الذي يلقاه الداعية يحمل في طياته حكماً ربانية عميقة:

  1. تمحيص الإخلاص: لكي يعلم الداعية يقيناً أنه يدعو “لله” لا “لثنائهم”، فإذا جفاه الناس ولم يتغير حاله، دلَّ ذلك على صدق توجهه لخالقه.

  2. كسر حظوظ النفس: فالجفاء يربي الداعية على التواضع، ويمنعه من الشعور بالعظمة أو العجب حين يرى استجابة الناس له.

  3. إظهار جمال الدين: فالداعية الذي يرد على الإساءة بالإحسان، وعلى الجفاء بالصلة، يقدم أعظم “درس صامت” في أخلاق الإسلام.

ثالثاً: كيف يتعامل الداعية مع الصدود؟

لكي لا ينطفئ حماسك الدعوي أمام غلظة المدعوين، استعن بهذه القواعد:

  • التماس الأعذار: انظر إليهم بعين “الرحمة” لا بعين “العداوة”؛ فهم مرضى يحتاجون لطبيب صبور، والجاهل عدو ما يجهل.

  • الدعاء بظهر الغيب: اجعل لكل من جفاك نصيباً من دعائك بالهداية؛ فالدعاء يرقق قلبك تجاههم أولاً، ويفتح أبواب السماء لهدايتهم ثانياً.

  • تغيير الأسلوب لا المبدأ: إذا لم تجدِ الكلمة نفعاً، فجرب الهدية أو الخدمة أو الصمت الحاني، فربَّ صمتٍ أبلغ من ألف خطاب.

الخلاصة العملية:

أخي الداعية، لا تحزن إذا لم يستجب لك أحد، أو إذا قوبلت نصيحتك بالاستهزاء. تذكر أنك “مبلغ” ولست “محاسباً”. إنَّ أجرك قد كُتب عند الله بمجرد محاولتك، وجفاؤهم هو “وسام صبر” يرفع درجاتك. استمر في البذر، فربَّ بذرةٍ سقتها دموع صبرك اليوم، ستثمر هدايةً ليقين أجيالٍ لم تولد بعد.

نصيحة: عندما تضيق صدرك بجفاء الناس، تذكر قول الله تعالى لنبيه: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ}. كن أنت “أبقى” أثراً وأعظم “حلماً”.

💡 زادٌ إضافي: لا تقف هنا! رحلة التزود مستمرة في [صفحة زاد الداعية الرسمية]، حيث جمعنا لك مئات المقالات والمواد العلمية التي تهم كل مسلم داعية. (اضغط هنا للرجوع للرئيسية ▶)

قال تعالى: ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ [ هود: 88]