ليس كل حبٍّ مدحًا،
ولا كل قبولٍ شهرة،
ولا كل التفافٍ حول شخصٍ دليلاً على صدقه.

لكن هناك نوعًا من المحبة
لا يُصنَع،
ولا يُخطَّط له،
ولا يُشترى…
إنه القبول الذي يضعه الله في القلوب.

وهذه من ثمار الدعوة التي لا يملكها الداعية،
لكنها تأتيه من حيث لا يحتسب.

الفرق بين القبول والشهرة

قد يُشهر الإنسان نفسه فيُعرف،
لكن لا يُحب.
وقد يعرفه الناس،
لكن لا يطمئنون له.

أما القبول،
فهو أن يُفتح القلب قبل العين،
وأن تُسمع الكلمة دون عناد،
وأن تُحمل النصيحة بلا نفور.

وهذا لا يُكتسب بالمهارة وحدها،
بل بالصدق.

لماذا يمنح الله الداعية هذا القبول؟

لأن الداعية الصادق لا يدعو لنفسه،
ولا يُعظّم ذاته،
ولا يطلب التفاف الناس حول شخصه،
بل حول الحق الذي يحمله.

فإذا رأى الله من عبده تواضعًا،
وإرادة خير،
وحرصًا على هداية لا على تصدّر…
ألقى محبته عليه،
ثم ألقى محبته في قلوب الناس له.

وهذا وعد رباني لا يتخلّف.

القبول ثمرة لا تُطلب

من طلب محبة الناس ضاعت منه،
ومن انشغل بالرسالة أتته.

الداعية الذي يجعل همّه إصلاح القلوب،
ويتحمّل في ذلك سوء الفهم،
وقلة التقدير،
بل وربما الأذى…
يفاجَأ بعد زمن
أن قلوبًا كثيرة قد فُتحت له دون أن يسعى.

وهذا من عظيم لطف الله.

محبة تُثمر لا تُغري

المحبة الصادقة لا تُغري الداعية بالغرور،
بل تزيده خوفًا ومسؤولية.

لأنه يعلم أن القلوب التي أحبّته
تنتظر منه صدقًا دائمًا،
وعدلًا في الكلمة،
وثباتًا في الموقف.

فيزداد حرصه،
ويشتدّ مراقبته لنفسه،
ويعلم أن الزلل هنا ليس زللاً فرديًا.

حين لا تأتي المحبة… لا تيأس

ليس كل داعية يُبتلى بالقبول،
وليس كل مَن لم يُحبّ مقصّرًا أو مرفوضًا.

فالمحبة رزق،
كما أن البلاء رزق.

وقد يؤخّرها الله عنك
حمايةً لقلبك،
أو امتحانًا لصدقك،
أو تربيةً لك على العمل دون انتظار مقابل.

والأجر لا يتوقف عليها.

علامة المحبة الحقيقية

ليست كثرة المتابعين،
ولا المدح العلني،
بل أن يُنتفع بك،
وأن تُقبل النصيحة إذا خرجت منك،
وأن يُدعى لك بظهر الغيب.

هذه محبة لا تُرى…
لكنها تُحسّ.

ومن رزقه الله هذا القبول،
فليحمده،
وليحذر أن يضيّعه.

قال تعالى: ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ [ هود: 88]