الدعوة في “الأماكن المفتوحة” —سواء كانت فضاءات رقمية عامة أو تجمعات واقعية— تختلف جذرياً عن الدروس العلمية داخل المساجد. إنها دعوة “المارة” الذين لم يأتوا إليك خصيصاً، بل صادفوك في طريقهم. وهنا تبرز أهمية “فقه الأولويات”؛ فليس كل ما يُعلم يُقال في كل مقام، والحكمة هي وضع الكلمة المناسبة في الوقت المتاح.

أولاً: البدء بالمُحكمات والكليات في الفضاءات المفتوحة، يجب أن يكون التركيز على “أصول الدين” وعظمته، لا على التفاصيل الفقهية الدقيقة أو المسائل الخلافية التي قد تثير حيرة العامة. قدم للناس جمال الإسلام، وسماحة التوحيد، وعظمة الخالق سبحانه. إنَّ الأولوية في هذه المقامات هي “ربط القلوب بالله” أولاً، فإذا تعلق القلب بالخالق، سَهُلَ عليه الانقياد للأوامر لاحقاً.

ثانياً: تقديم “الرحمة” قبل “الزجر” أغلب من يتواجدون في هذه الأماكن قد أثقلتهم هموم الدنيا أو غلبتهم الغفلة، وهم أحوج ما يكونون إلى “بشارة” تفتح لهم باب الأمل. اجعل أولويتك هي “الترغيب” وبيان سعة رحمة الله، كما كان هدي النبي ﷺ في وصيته لمعاذ وأبي موسى الأشعري: “يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا”. الكلمة اللينة في الزحام تفتح مغاليق القلوب، والغلظة تنفر الناس من الدين وأهله.

ثالثاً: معالجة الأمراض الاجتماعية الظاهرة من فقه الأولويات في المجامع العامة معالجة ما يلمسه الناس في واقعهم؛ كخلق الأمانة، والصدق، وبر الوالدين، وحسن الجوار. حين يتحدث الداعية عن الأخلاق التي تحسن حياة الناس وتؤلف بينهم، يجد آذاناً صاغية. اربط هذه الأخلاق بالإيمان لتكون دعوة شاملة تجمع بين صلاح الدنيا والفوز بالآخرة.

رابعاً: مراعاة “جرعات” الوقت في الأماكن المفتوحة، الوقت “عملة نادرة”. الأولوية هنا للموعظة “المركزة” التي لا تتجاوز دقائق معدودة أو أسطر قليلة. الداعية الناجح هو من يستطيع إيصال رسالة إيمانية عميقة في الوقت الذي ينتظر فيه الشخص حافلته أو يتصفح هاتفه. خير الكلام في هذه المواطن ما قلَّ ودلَّ، وترك أثراً باقياً يحفز السامع على البحث عن المزيد بنفسه.

الخلاصة العملية: إنَّ الدعوة في الأماكن المفتوحة هي “بذرٌ” في أرضٍ واسعة؛ فلا تزدحم بالأفكار فتفسد الثمر. اختر أفضل ما عندك من “جوامع الكلم”، وركز على ما يجمع الناس ولا يفرقهم، وما يقربهم من الله ولا ينفرهم. كن كالغيث، أينما وقع نفع، واجعل أولويتك دائماً هي “نجاة الناس” وحب الخير لهم.

قال تعالى: ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ [ هود: 88]