أخي الداعية المستمسك بالحق، يا من جعلتَ من يومك مِحراباً للبلاغ؛ هل سألتَ نفسك يوماً وأنت تقف خلف شاشتك: “بأيّ شيءٍ يحتاجني الناسُ الآن؟”. إنَّ فقه الأولويات في الدعوة هو عينُ الحكمة، وهو من أعظم ما تميّز به منهج النبوة. ليس كل ما هو “حق” يُقال في كل وقت، بل الحكمة هي أن تضع الدواء الصحيح على الجرح النازف في اللحظة المناسبة، ليكون لرسالتك صدىً في ملكوت الأرض والسماء.

يا رفيق الدرب، إنَّ الناس في هذا الزمان قد أرهقتهم الفتن، وأثقلت كواهلهم الهموم، وحاصرتهم صور البهرج والزيف. إنهم يحتاجون منك إلى “غرس اليقين” قبل سرد المتون، وإلى “بث الأمل” قبل الوعيد، وإلى “تثبيت الأصول” في زمن التحولات. لا تشغلهم بالخلافات الجانبية التي تفرق الشتات، بل اجمعهم على محكمات الدين التي تربط قلوبهم بخالقهم. إنَّ أولوياتك يجب أن تُستقى من احتياجات قلوبهم؛ فالجائعُ للسكينة يحتاج حديثاً عن رحمة الله، والتاه في الظنون يحتاج نوراً من براهين الإيمان.

اعلم يا رعاك الله، أنَّ الوقت أمانة، ومساحة انتباه المتلقي ضيقة، فلا تزدحم فيها بالهوامش. كن ذكياً في اختيار معاركك الدعوية؛ فإحياء سنةٍ مهجورة، أو غرس خُلقٍ كريم، أو رد شبهةٍ حائرة، أولى من جدالٍ لا ينبني عليه عمل. إنَّ فقهك للأولويات هو دليلٌ على نضج فكرك وشفقتك على أمتك. فاجعل نيتك في نشرك “الإصلاح ما استطعت”، وقدّم للناس ما ينفعهم في معاشهم ومعادهم، لتكون دعوتك كالغيث، أينما وقع نفع.

النصيحة: راقب تساؤلات الناس وهمومهم في مجلسك، وطريقك، ومنصاتك؛ ففي أوجاعهم تكمن “خارطة الطريق” لمقالاتك القادمة. الداعية الناجح هو من يقرأ الواقع بعين الشريعة، ثم يكتب الدواء بمداد الرحمة.

قال تعالى: ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ [ هود: 88]