فقهُ الاستيعابِ: كيفَ تجمعُ القلوبَ المختلفةَ حولَ الحقِّ؟
إنَّ من أعظمِ صفاتِ المنهجِ النبويِّ في الدعوةِ هو “الاستيعاب”؛ أي القدرة على احتواءِ الناسِ على اختلافِ طبائعِهم، وعقولِهم، ومستوياتِ إيمانِهم. الداعيةُ الناجحُ ليس هو من يطردُ المخالفين، بل هو من يبحثُ عن المساحاتِ المشتركةِ ليأخذَ بيدِ الجميعِ نحو الله. إنَّ فقهَ الاستيعابِ يعني أن يكونَ صدرُ الداعيةِ أرحبَ من أخطاءِ الناسِ، وعقلهُ أكبرَ من نزاعاتِهم الصارمة.
أولاً: ركائزُ المنهجِ الاستيعابيِّ
يقومُ الاستيعابُ الدعويُّ على ثلاثةِ أعمدةٍ أساسيةٍ:
-
التغافلُ عنِ الهفوات: وهو فنُّ “غضِّ الطرف” عنِ الصغائرِ والأخطاءِ العارضةِ للمدعو، لكي لا ينفرَ من جفوةِ النقدِ المستمر.
-
البحثُ عنِ العذر: تقديمُ حسنِ الظنِّ بالمسلم، وحملُ كلامهِ على المحملِ الحسنِ ما وجدنا إلى ذلك سبيلاً.
-
تنزيلُ الناسِ منازلَهم: مخاطبةُ كلِّ فئةٍ بما يناسبُ عقولَهم وظروفَهم؛ فالعالمُ ليس كالجاهل، والقويُّ ليس كالضعيف.
ثانياً: كيفَ تستوعبُ المخالفَ في الرأي؟
ليس كلُّ خلافٍ يعني العداء؛ والداعيةُ المستوعبُ يتعاملُ مع المخالفِ بذكاء:
-
التفريقُ بينَ الشخصِ والفكرة: نقدُ الفكرةِ الخاطئةِ لا يعني بالضرورةِ جرحَ كرامةِ قائلِها، فالمهمُّ هو بيانُ الحقِّ مع حفظِ الودِّ.
-
التركيزُ على الكليات: في بدايةِ الطريق، اجمعِ الناسَ على الأصولِ العظيمةِ (التوحيد، الأخلاق، الصلاة)، واتركِ الخوضَ في التفصيلاتِ الجدليةِ التي تمزقُ الصف.
-
الاعترافُ بالصوابِ لدى الآخر: إذا قالَ المخالفُ حقاً، فكن أولَ من يقرهُ عليه؛ فهذا يفتحُ قلبهُ لقبولِ ما عندكَ من حق.
ثالثاً: عوائقُ تمنعُ الداعيةَ منَ الاستيعاب
هناك فخاخٌ يقعُ فيها البعضُ فتجعلُ دعوتَهم ضيقةً ومنفرة:
-
حدةُ الطبعِ والاستعلاء: الشعورُ بأنك تملكُ الحقَّ المطلقَ والآخرين في ضلال، مما يولدُ كبراً يمنعُ الناسَ من الاقترابِ منك.
-
الجمودُ على “القالب” الواحد: الرغبةُ في أن يكونَ كلُّ الناسِ نسخةً كربونيةً منك في التفكيرِ والأسلوب، وهذا يخالفُ سننَ اللهِ في الخلق.
-
الانشغالُ بالمعاركِ الجانبية: هدرُ الطاقةِ في الردودِ الشخصيةِ وتتبعِ العثراتِ بدلاً من البناءِ والإصلاح.
الخلاصةُ العمليةُ:
أخي الداعية، كن كالغيثِ يصيبُ الطيبَ والسبخَ فيحيي الأرض. إنَّ استيعابَ الناسِ بآلامِهم، وأخطائِهم، واختلافاتِهم هو الذي جعلَ الناسَ يدخلون في دينِ اللهِ أفواجاً. لا تضيقْ واسعاً، ولا تكن سيفاً مسلطاً، بل كن روحاً تسري بالرحمة، وقلباً يتسعُ للجميع. تذكرْ أنَّ الرفقَ ما كان في شيءٍ إلا زانه، وما نزعَ من شيءٍ إلا شانه.
نصيحةُ: تذكر دائماً موقف النبي ﷺ مع الأعرابي الذي بال في المسجد؛ كيف استوعب جهله بالرفق ومنع الصحابة من زجره، ثم علمه بلطف. هذا هو الفقه الذي نحتاجه اليوم لترميم القلوب المنكسرة.
💡 زادٌ إضافي: لا تقف هنا! رحلة التزود مستمرة في [صفحة زاد الداعية الرسمية]، حيث جمعنا لك مئات المقالات والمواد العلمية التي تهم كل مسلم داعية. (اضغط هنا للرجوع للرئيسية ▶)
قال تعالى: ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ [ هود: 88]