أخي الداعية الحكيم، يا من سخرتَ فكرك ليكون وعاءً للهدى؛ اعلم –رعاك الله– أننا نعيش في زمنٍ غلب فيه “الشكل” على “المضمون”، وأصبح البهرجُ البصري سارقاً للعقول. وهنا تبرز أمانتك في الموازنة الدقيقة؛ فلا تجعل اهتمامك بجمال “الوسيلة” يطغى على جلال “الرسالة”، ولا تجعل ضعف “الوسيلة” يكون سبباً في زهد الناس في “الحق”. إنَّ صناعة المحتوى الهادف هي عملية “بناءٍ” متكامل، أساسها الوحي الصافي، وسقفها الإبداع الذي يجذب القلوب ولا يشغلها عن المعبود.
يا رفيق الدرب، إنَّ الجودة في المضمون تعني أن تكون كلماتك مستقاةً من نور الكتاب والسنة، بعيدةً عن الغث والسمين، تخاطب الفطرة وتُحيي الرُّوح. أما الوسيلة، فهي “الخادم” الذي يُقدم هذا المضمون في أحسن صورة؛ فلا بأس أن تستخدم أحدث التقنيات، وأجمل التصاميم، وأذكى طرق العرض، شريطة أن تظل هذه الأدوات “جسراً” للوصول إلى الغاية، لا “غايةً” في حد ذاتها. إنَّ المحتوى الذي يكتفي بالبهرج دون عمقٍ إيماني هو كسرابٍ بقيعة، والمحتوى العميق الذي يُقدم بأسلوبٍ منفر هو طعامٌ شهي في إناءٍ غير نظيف؛ وكلاهما لا يحقق تمام النفع.
اعلم يا رعاك الله، أنَّ التوفيق يكمن في “الوسطية”؛ أن تمنح المضمون حقه من البحث والتدقيق والإخلاص، وتمنح الوسيلة حقها من التنسيق والإتقان والجمال. إنَّ تقديمك لمحتوىً يجمع بين “قوة الحجة” و”روعة العرض” هو إحسانٌ يحبه الله، وهو أرجى للقبول في نفوس جيلٍ اعتاد على الجودة البصرية. فكن صانعاً ماهراً، يغزل خيوط النور ببراعة الإتقان، واجعل هدفك أن يخرج المتابع من صفحتك وقد استقر في قلبه يقينٌ، وفي عينه جمالٌ، وفي روحه سكنٌ وطمأنينة.
النصيحة: قبل أن تنشر محتواك، تأكد أنَّ “الفكرة” هي البطلة، وأنَّ “التصميم” هو جنديها المطيع. لا تجعل الألوان الصارخة تسرق انتباه القارئ عن جلال الآية أو روعة الحديث، بل اجعل كل شيءٍ يسجد في محراب المعنى.
قال تعالى: ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ [ هود: 88]