تعد “حرية التعبير” من أكثر المصطلحات تداولاً في العصر الحديث، غير أنها تحولت في كثير من الأحيان إلى مطية للنيل من الثوابت والسكوت عن التطاول على الذات الإلهية أو الجناب النبوي. والداعية البصير هو من يفكك هذه الشبهة بهدوء وعلم، دون أن يستدرجه الخصوم إلى مربع الانفعال الذي يشوه صورة الدين.

أولاً: تحرير المصطلح ومنطقية القيود يجب أن نبين في حوارنا أن “الحرية المطلقة” هي خرافة لا وجود لها في أي نظام بشري. فكل القوانين في العالم تضع حدوداً لحرية التعبير إذا اصطدمت بحقوق الآخرين أو بالأمن العام أو بخصوصيات الأفراد. والادعاء بأن المقدسات مستثناة من هذه الحماية هو “كيل بمكيالين”؛ فمن غير المنطقي أن يُجرم القانون القذف في حق شخص عادي، بينما يُباح القذف والسب في حق أقدس ما يملكه المسلمون وهو دينهم ونبيهم ﷺ.

ثانياً: الفرق بين النقد والسخرية من القواعد المنهجية في حراسة الوعي التمييز بين “البحث العلمي” و”الاستهزاء المبتذل”. الإسلام لا يخشى البحث أو السؤال، وقد نقل القرآن الكريم شبهات الكفار ورد عليها بالحجة والبرهان. أما السخرية والرسوم المسيئة والكلمات النابية، فهي ليست “رأياً” يُناقش، بل هي “عدوان” يُرفض. السخرية هي سلاح العاجز عن الحوار، والداعية يوضح أن احترام المقدسات هو جزء من السلم المجتمعي العالمي، وليس تقييداً للعقل.

ثالثاً: منهج القرآن في التعامل مع المستهزئين علمنا القرآن الكريم كيف نوجه طاقتنا عند وقوع السخرية؛ فبدلاً من الانشغال بالرد على “أشخاص” الساخرين بما يزيد من شهرتهم، وجهنا الله إلى الإعراض عن مجلسهم أولاً: {فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ}، ثم الانشغال بنشر الجمال المحمدي والتعريف بحقيقة الإسلام. إنَّ أعظم رد على السخرية هو “إماتة الباطل بالسكوت عنه” مع إحياء الحق بالعمل به ونشره بوعي.

رابعاً: الرد الرقمي الذكي في الفضاء الافتراضي، يسعى الساخرون لاستفزاز المشاعر لزيادة التفاعل (Engagement). لذا، فإن الرد العنيف أو السب المتبادل يخدم خوارزمياتهم ويجعل محتواهم ينتشر أكثر. الرد الواعي يكون عبر:

  • التبليغ القانوني والتقني عن المحتوى المسيء.

  • صناعة محتوى إيجابي موازي يعرف بالنبي ﷺ وقيم الإسلام بأسلوب عصري.

  • تجنب إعادة نشر الإساءة بحجة الرد عليها، لكي لا نساهم في نشر المنكر من حيث لا نشعر.

الخلاصة العملية: حرية التعبير تنتهي حيث تبدأ كرامة الأمم ومقدساتها. دورك كداعية ليس الدخول في صراع شتائم، بل هو تبيان التناقض الأخلاقي لمن يتشدقون بالحرية وهم يمارسون الكراهية. كن حارساً للوعي بعلمك، ومدافعاً عن دينك بأدبك، ومظهراً للحق ببيانك.

قال تعالى: ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ [ هود: 88]