إنَّ المتأمل في سِيَر الأنبياء ومَن تبعهم من الدعاة الربانيين، يدرك أنَّ القوة التي يواجهون بها الخلق إنما تُستمد من الخلوة بالخالق. فالدعوة ليست مجرد فصاحة لسان أو جودة مونتاج، بل هي “مددٌ إلهي” يُصب في قلب الداعية، وأعظم مواطن هذا المدد هو محراب الليل.
أولاً: الليل هو زاد الطريق حين كلف الله نبينا ﷺ بأعظم مهمة دعوية في التاريخ، أنزل عليه سورة المزمل، فقال: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ . قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا}. والسر في ذلك جاء في قوله تعالى بعدها: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا}. فالدعوة “قولٌ ثقيل” يحتاج إلى كاهلٍ قَوي، ولا يُقوي كاهل الداعية ويربط على قلبه مثل الوقوف بين يدي الله والناس نيام.
ثانياً: بركة القبول في القلب الداعية الذي يقضي ليله في الصلاة والقرآن، يلبسه الله من نوره ومهابته. إنَّ الكلمة التي تخرج من لسان “قائم الليل” ليست كالكلمة التي تخرج من لسان الغافل؛ فالأولى تخرج محفوفةً بالصدق والخشية فتقع في سويداء القلوب، والثانية قد تكون فصيحة لكنها تفتقر إلى “الروح” التي تحرك النفوس. لقد كان السلف يقولون: “إنَّ الرجل ليصلي بالليل، فيجعل الله في وجهه نوراً يحبه كل مسلم”.
ثالثاً: الاستمداد قبل الإمداد إنَّ الانشغال بالدعوة الرقمية ومتابعة الأرقام والمشاهدات قد يؤدي إلى “جفاف القلب” وتشتت الهم. وقيام الليل هو “محطة التزود” التي يعود فيها الداعية إلى أصله، فيبكي بين يدي ربه، ويعترف بعجزه، ويطلب التوفيق. فإذا امتلأ القلب بالإيمان في السحر، فاض هذا الإيمان على المحتوى والدعوة في النهار.
رابعاً: ثبات الداعية في الفتن يواجه الداعية في مسيرته تحدياتٍ وصعاباً، وقد يتعرض للقدح أو الإحباط. وهنا يكون قيام الليل هو الحصن الحصين؛ فمن استأنس بالله في خلوته، لم يوحشه بُعد الناس عنه، ومن ذاق حلاوة المناجاة، هانت عليه مرارة الأذى في سبيل الله.
الخلاصة العملية: يا من نذرت نفسك للدعوة إلى الله، لا تجعل انشغالك بـ “الخلق” ينسيك “الخالق”. اجعل لنفسك ولو ركعتين في جوف الليل، تطلب فيهما القبول والإخلاص؛ فما وصل من وصل إلا بصدق اللجوء، وما انقطع من انقطع إلا بترك الزاد.
قال تعالى: ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ [ هود: 88]