يا من جعلتَ من هاتفك الذي بين يديك مِشكاةً للنور، ووسيلةً للتواصل مع الأهل والخلان؛ اعلم –رعاك الله– أنَّ تطبيق “الواتساب” قد أصبح في زماننا هذا أقرب الطرق إلى القلوب، وأسرعها وصولاً إلى البيوت. لكنَّ هذه الوسيلة سلاحٌ ذو حدين؛ فإما أن تكون رسائلك “غيثاً” ينتظره الناسُ بشوق، وإما أن تكون “عبئاً” يثقل كواهلهم ويُغلق دونه الأبواب. إنَّ الداعية الحكيم هو من يزنُ رسائله بميزان الرحمة والرفق، ليجعل من كل رسالة يرسلها بلسماً يداوي الجراح، لا هماً يزاحم الأنفاس.
يا رفيق الدرب، إنَّ إحسان الدعوة عبر “الواتساب” يقتضي منك مراعاة “أدب الوقت” و”فقه الحال”. لا تغرق مجموعاتك وقوائمك برسائل طويلةٍ ومملة في أوقات الراحة أو العمل، بل اختر “الجواهر” من الكلام؛ آيةً تفتح باب الأمل، حديثاً يُصحح مساراً، أو قصةً تُحيي فضيلة. اجعل رسائلك قصيرةً، واضحة، ومفعمة بالروحانية؛ فخير الكلام ما قلَّ ودلَّ، وخيرُ الدعاة مَن لا يُملُّ الناسُ حديتَه. إنَّ احترامك لخصوصية أوقات الناس هو في ذاته خُلقٌ دعويٌّ عظيم يجعلهم يفتحون قلوبهم قبل شاشاتهم لكل ما يصدر منك.
اعلم يا رعاك الله، أنَّ “أمانة النقل” في الواتساب عظيمة؛ فلا تكن مجرد “ناشر” لكل ما يصلك، بل كن “مصفاةً” للحق. لا تنشر الأحاديث الموضوعة، ولا القصص الواهية، ولا الأخبار التي تثير البلبلة والذعر بين الناس. اجعل من “قائمتك” واحةً للأمان والسكينة، وتلطف مع من يخالفك أو يضيق برسائلك بابتسامةٍ ودعاء. إنَّ هدفك هو تأليف القلوب على طاعة الله، وهذا لا يتأتى إلا بالرفق واللين، فكن كالنحلة في رسائلك؛ لا تنقل إلا العسل، ولا تحطُّ إلا على الزهر، لتترك أثراً طيباً في كل هاتفٍ تصل إليه.
النصيحة: قبل أن تضغط زر “إعادة التوجيه”، اقرأ الرسالة بقلبك واسأل نفسك: “هل ستزيد هذه الكلمةُ من إيمانهم أم ستشغلهم بغير نفع؟”. جودةُ رسالةٍ واحدةٍ بصياغةٍ صادقة خيرٌ من مئة رسالةٍ عابرة.
قال تعالى: ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ [ هود: 88]