يا من حملتَ مشكاة النور في زمن العواصف الرقمية، اعلم –رعاك الله– أننا نعيش في عصرٍ تموج فيه الفتن والتقليصات “التريندات” موج البحر، حيث تُسلب العقول في ثوانٍ، وتتبدل القيم مع كل “نقرة” ومشاركة. وهنا يبرز الاختبار الحقيقي لثباتك ويقينك؛ فهل تظل جبلاً راسخاً يستقي نوره من الوحي الثابت، أم تنجرف مع السيول الجارفة طلباً لحضورٍ زائف؟ إنَّ الثبات في عالم “التريند” لا يعني الانعزال، بل يعني أن تكون أنت “المؤثر” بحق، لا “المتأثر” بكل ريحٍ تهب.

يا رفيق الدرب، إنَّ أخطر ما يواجه الداعية اليوم هو “ذوبان الشخصية الدعوية” في قالب العبث الرقمي بحثاً عن الانتشار. لا تجعل رغبتك في اللحاق بركب “المتفاعلين” تضطرك للتنازل عن وقارك، أو تميع خطابك، أو الخوض في سفساف الأمور التي لا تنفع ديناً ولا دنيا. تذكر أنَّ الحق لا يُقاس بكثرة “المشاركات”، وأنَّ الثبات على المبدأ في زمن التميع هو في ذاته جهادٌ عظيم. كن أنت “البوصلة” التي ترشد الناس إلى الحق الصافي وسط ضجيج الباطل، ولا تبع يقينك الثابت ببريق “التريند” العابر الذي لا يلبث أن ينطفئ.

اعلم يا رعاك الله، أنَّ العظمة الحقيقية ليست في أن تكون “حديث الساعة”، بل في أن تكون “صاحب أثرٍ لا يزول”. اجعل محتواك غارساً للقيم، مثبتاً للعقيدة، ومحيياً للسنة؛ فالباقيات الصالحات خيرٌ عند ربك ثواباً وخيرٌ أملاً. إنَّ الكلمة التي تنشرها بصدق وثبات، قد تظل تعمل في القلوب لسنوات طويلة بعد أن تُنسى كل الصيحات الرقمية الجوفاء. فاستمسك بالعروة الوثقى، واجعل نيتك موجهةً نحو السماء، واعلم أنَّ من ثبت نبت، ومن نبت آتت دعوتُه أُكُلها كل حينٍ بإذن ربها.

النصيحة: كلما هبَّت “ريحُ تريند” جديد، اعرضه على ميزان الوحي؛ فإن وجدته يبني ديناً أو يُصلح خُلقاً فشارك بحكمة، وإن وجدته هباءً فكن أنت “الملاذ” الآمن الذي يلوذ به الناس بعيداً عن صخب الغثاء.

قال تعالى: ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ [ هود: 88]