يظن بعض الناس أن الدعوة موجّهة إلى الآخرين فقط،
وأن الداعية يقف دائمًا في موقع المُعطي والناصح.
لكن الحقيقة أن الدعوة – لمن صدق فيها –
هي مدرسة قاسية أحيانًا،
عميقة دائمًا،
تصنع الداعية قبل أن تُصلح المدعو.
الدعوة تكشف ما فيك قبل أن تُغيّر غيرك
حين تبدأ بالدعوة،
تظن أنك تحمل رسالة إلى الناس،
ثم تكتشف أن الرسالة بدأت تعمل فيك أولًا.
كل معنى تنشره عن الصبر،
يُعرّيك أمام نفسك عند أول غضب.
وكل حديث عن الإخلاص،
يفضح نيتك حين يراك الناس أو يغيبون.
وكل دعوة إلى الخلق الحسن،
تختبرك حين تُساء معاملتك.
وهكذا، تصبح الدعوة مرآةً لا ترحم،
لكنها صادقة.
لماذا تُعدّ الدعوة تربية حقيقية؟
لأنها تضعك في موضع الالتزام.
لم تعد كلماتك أفكارًا عابرة،
بل عهودًا ضمنية مع نفسك.
الداعية لا يستطيع أن يعيش انفصامًا طويلًا
بين ما يقول وما يفعل،
إما أن يُصلح نفسه،
أو أن يتوقف.
وهنا تكون الدعوة رحمة؛
إذ تدفعك دفعًا نحو الإصلاح الذاتي.
تربية على الصبر والحِلم
في طريق الدعوة ستُساء فَهْمك،
وتُنتقد،
وتُقابل بالجفاء أحيانًا.
هذه المواقف ليست عوائق،
بل دروس.
يتعلم الداعية كيف يمسك لسانه،
وكيف يزن كلماته،
وكيف يُفرّق بين الغضب للنفس والغضب للحق.
ومع الزمن،
يكتشف أنه لم يكن ليصل إلى هذا المستوى من الحِلم
لولا الاحتكاك بالناس من باب الدعوة.
تربية على التواضع والخوف من الله
الدعوة لا تسمح للداعية أن يطمئن إلى نفسه طويلًا.
كلما ظن أنه أحسن،
تذكّره بزلة،
أو بنقص،
أو بعجز.
فيتعلم أن الفضل من الله،
وأن التوفيق عارية،
وأن السقوط ممكن في أي لحظة.
وهذا الخوف الصادق
هو الذي يحفظه من الكِبر والاغترار.
الدعوة تُنضج القلب لا تُقسّيه
قد يظن البعض أن كثرة الاحتكاك بالناس تُقسي القلب،
لكن الدعوة الصادقة تفعل العكس.
تجعلك ترى ضعف البشر،
وحيرتهم،
وحاجتهم إلى الرحمة قبل الحكم.
فتلين،
وتتعلم الرفق،
وتُدرك أن القسوة لا تُصلح أحدًا،
ولا حتى صاحبها.
من لم تُصلحه الدعوة… أرهقته
الدعوة إمّا أن تُهذّب الداعية،
أو تُتعبه.
فمن قاوم إصلاح نفسه،
ثقلت عليه،
وضاق بها،
وتحولت عنده إلى عبء.
أما من سلّم لها،
وجعلها طريقًا لتزكية قلبه،
فقد ربح نفسه قبل أن يربح غيره.
وهذه من أعظم الثمار.
قال تعالى: ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ [ هود: 88]