بين الحماس والعشوائية: لماذا تحتاج الدعوة إلى منهج؟
ليست المشكلة في قلة الغيورين على الدين،
ولا في ضعف الرغبة في الإصلاح،
بل كثيرًا ما تكون المشكلة في غياب المنهج.
الحماس وحده لا يبني مشروعًا،
والنية الصادقة لا تكفي إن لم يُحسن صاحبها الطريق.
الدعوة التي تُدار بردّات الفعل،
أو تتحرك بلا رؤية،
تتعب أصحابها سريعًا،
وقد تُحدث ضجيجًا أكثر مما تُحدث إصلاحًا.
أولًا: ما المقصود بالمنهج في الدعوة؟
المنهج ليس تعقيدًا تنظيميًا،
ولا أوراقًا وخططًا رسمية،
بل هو وضوح في:
-
الهدف
-
الأولويات
-
الوسائل
-
المراحل
أن تعرف:
إلى أين تسير؟
وماذا تريد أن تغيّر؟
ومن أين تبدأ؟
وما الذي تؤجله؟
هذه الأسئلة تصنع الفارق بين دعوة راشدة ودعوة مرتجلة.
ثانيًا: خطر العمل بلا رؤية
من يعمل بلا رؤية يقع في ثلاث مشكلات:
-
الاستنزاف السريع
يتحرك في كل اتجاه حتى يتعب. -
تضخيم الجزئيات
يظن بعض القضايا الصغيرة معارك مصيرية. -
التناقض في الخطاب
يغيّر لهجته ومواقفه تبعًا للضغط والواقع.
الرؤية تحميك من التشتت،
وتجعلك ثابتًا في الاتجاه ولو تغيرت الظروف.
ثالثًا: فقه الأولويات
ليس كل خير يُفعل في كل وقت.
قد يكون من الحكمة أن:
-
تبدأ ببناء الإيمان قبل تفصيل الأحكام.
-
تُصلح العلاقة بالله قبل تصحيح المظاهر.
-
تُعالج أصل المشكلة قبل مظاهرها.
الداعية الذي لا يفقه الأولويات
قد يُصلح ظاهرًا ويترك أصل الداء.
والمنهج الصحيح يُقدّم الأهم فالمهم.
رابعًا: بين التدرج والاستعجال
التغيير الحقيقي يحتاج زمنًا.
من استعجل الثمرة قبل أوانها
أفسد الغرس.
الدعوة ليست سباقًا لإثبات التأثير،
بل مسار طويل لبناء الإنسان.
كل مرحلة لها خطابها،
ولها أسلوبها،
ولها حجمها.
خامسًا: كيف تبني لنفسك منهجًا واضحًا؟
اسأل نفسك بصدق:
-
ما القضية المركزية التي أريد خدمتها؟
-
من الفئة التي أستهدفها؟
-
ما الرسائل التي أكررها؟
-
ما الخطوط الحمراء التي لا أتجاوزها؟
ثم اجعل لك خطة بسيطة مكتوبة،
حتى لا تُسيّرك الأحداث.
سادسًا: الدعوة ليست ردّ فعل دائم
أخطر ما يصيب الداعية
أن يصبح مشغولًا فقط بالرد على كل حدث.
الرد مهم أحيانًا،
لكن البناء أهم.
من يكتفي بردود الأفعال
يبقى تابعًا للواقع،
أما من يملك رؤية
فيصنع أثرًا يتجاوز اللحظة.
خاتمة
الحماس وقود الدعوة،
لكن المنهج هو عجلة القيادة.
إن اجتمع الوقود والمقود
سارت الدعوة بثبات،
وإن غاب أحدهما
إما توقفت… أو انحرفت.
فلا يكفي أن تريد الإصلاح،
بل تعلّم كيف تسلك طريقه.
الدعوة مشروع عمر،
ولا يُدار مشروع العمر بعاطفة عابرة.
قال تعالى: ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ [ هود: 88]