يشتكي الناس من ضيق الوقت، ويعدّونه أكبر عوائق الطاعة والعمل.
لكن الداعية الصادق يكتشف مع الأيام حقيقة مدهشة:
أن الوقت لا يزداد عددًا، لكنه يتضاعف أثرًا.
يمضي يومه كما يمضي يوم غيره، أربعٌ وعشرون ساعة لا تزيد ولا تنقص،
ومع ذلك يشعر أن ما أُنجز فيه أكبر، وما حُفظ منه أبقى، وما بُورك فيه أوسع.
تلك هي بركة الوقت… إحدى أعجب ثمار الدعوة.
البركة ليست في كثرة الساعات
البركة ليست أن يكون اليوم أطول،
ولا أن تخلو الحياة من الأشغال،
بل أن يُساق العبد إلى ما ينفعه دون تكلّف،
وأن يُصرف عن ما لا يزيده إلا تعبًا وندمًا.
حين يحمل الإنسان همّ الدعوة،
تبدأ اختياراته في التغيّر:
ما كان يراه مهمًا يتراجع،
وما كان يؤجله يصبح أولويّة.
وهنا تبدأ البركة.
الدعوة تُنقّي الوقت قبل أن تملأه
الداعية لا يملك رفاهية إضاعة العمر.
ليس لأنه معصوم، بل لأنه يشعر أن لكل دقيقة وزنًا، ولكل كلمة حسابًا.
فتجده يقلّل من اللغو،
ويختصر المجالس الفارغة،
ويُراجع ما يستهلك وقته دون فائدة.
ليس زهدًا في الدنيا،
بل وعيًا بقيمة الأثر.
وهكذا، لا يزداد وقته ازدحامًا،
بل صفاءً.
لماذا يُبارك الله وقت الداعية؟
لأن الدعوة عملٌ يتعدّى نفعه صاحبه.
وما كان نفعه متعديًا، كان أحقّ بالبركة.
يبذل الداعية وقتًا في تعليم، أو تذكير، أو نشر خير،
فيجعل الله في هذا القليل نفعًا يتكاثر،
وأثرًا يمتد،
وأجرًا لا ينقطع.
فيشعر الداعية أن الله يعوّضه عن كل دقيقة بذلها،
لا بالراحة دائمًا،
بل بالإنجاز، والتوفيق، وسهولة الطريق.
البركة تظهر عند الزحام لا عند الفراغ
العجيب أن كثيرًا من الدعاة لا يشعرون ببركة الوقت إلا حين تزدحم مسؤولياتهم.
كلما ثقلت الأعباء، زادت المعونة،
وكلما صدقت النية، سُهّلت الأسباب.
يمضي يومه بين عمل وأهل ودعوة،
ومع ذلك لا ينهار،
ولا يشعر أنه مقطوع النفس.
ليس لأنه أقوى من غيره،
بل لأن الله تولّى تدبير وقته.
لا تطلب البركة… امشِ في طريقها
بركة الوقت لا تُنال بالدعاء وحده،
ولا بالتمنّي،
بل بالسير في طريق يجعل الوقت وسيلة لا غاية.
حين تُدخل الدعوة في جدولك،
ولو دقائق صادقة،
ستلاحظ أن الله يُصلح لك ما حولها.
ستتعجب كيف تمّ ما لم تخطط له،
وكيف انتهى ما كنت تظنه مستحيلًا،
وكيف بقي من عمرك أثرٌ يشهد لك لا عليك.
هذه ثمرة لا يشعر بها إلا من ذاقها
قد لا يراك الناس أكثر فراغًا،
ولا أقل انشغالًا،
لكنهم سيرون أثرًا أكبر،
وحضورًا أعمق،
وثباتًا أطول.
وهذا هو المقصود.
فمن بارك الله له في وقته،
فقد أعطاه مفتاحًا من مفاتيح الخير،
وجعله يسير في عمرٍ قصير…
لكن ثماره طويلة.
قال تعالى: ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ [ هود: 88]