كيف تثبت وتُثبت غيرك؟
حين تكثر الفتن، لا تختلط الحقائق فقط، بل تختلط القلوب. ويصبح الثبات نفسه عبادة، والدعوة مسؤولية أثقل من مجرد البلاغ. ففي زمن الفتن، لا يُطلَب من الداعية أن يكون عالي الصوت، بل عميق البصيرة.
فالخطأ هنا لا يُضل فردًا فحسب، بل قد يفتح باب شرٍّ واسع.
أولًا: لماذا الدعوة في الفتن مختلفة؟
لأن الناس في الفتن:
-
متوترة
-
مشوشة
-
سريعة الانفعال
وأي كلمة غير محسوبة قد تزيد الاضطراب بدل أن تهدّئه. ولهذا كان الصمت الحكيم أحيانًا أنفع من الكلام المتعجل.
ثانيًا: الثبات قبل البلاغ
لا يستطيع من لم يثبت أن يُثبّت غيره.
فالداعية في زمن الفتن محتاج إلى:
-
علم يضبط فهمه
-
عبادة تحمي قلبه
-
وعي لا ينجرّ خلف كل رأي
ومن لم يُصلح نفسه، زلّ وهو يريد الإصلاح.
ثالثًا: جمع الكلمة أصلٌ لا يُهمَل
من أخطر ما تُنتجه الفتن تمزيق الصفوف باسم النصرة.
والدعوة الحقّة تسعى إلى:
-
تقليل الخلاف
-
تهدئة النفوس
-
ردّ الناس إلى الأصول الجامعة
فليس كل خلاف معركة، وليس كل رأي يُرفع راية.
رابعًا: الرحمة بالناس… لا القسوة عليهم
الناس في الفتن لا تحتاج من يوبّخها، بل من يحتويها.
فكم من إنسانٍ تاه، لا عنادًا، بل خوفًا أو جهلًا أو تأثرًا بالضجيج.
والداعية الرحيم يُمسك بيد المتردد، ولا يدفعه إلى الهاوية باسم الحزم.
خامسًا: لا تكن وقود الفتنة
من أخطر الأدوار أن تتحول إلى ناقلٍ لكل ما يحدث، أو معلّقٍ على كل مستجد.
ليس من الحكمة أن تكون حاضرًا في كل جدل، بل الحكمة أن تختار الموضع الذي تُصلح فيه حقًا.
فالسكوت هنا عبادة، والكلام أمانة.
خاتمة: كن صمام أمان لا شرارة
الدعوة في زمن الفتن ليست استعراضًا، بل وقاية.
فكن عنصر تهدئة، وباب أمان، وصوتًا يعيد الناس إلى الله لا إلى الصراع.
فمن ثبّت قلبًا في زمن الفتن، فكأنما أنقذ حياة.
قال تعالى: ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ [ هود: 88]