في ظل الأحداث المتسارعة التي يشهدها العالم، يجد الداعية نفسه غالباً أمام ضغوط جماهيرية ليدلي بدلوه في الشأن السياسي المعقد. الفضاء الرقمي يحول كل حدث سياسي إلى “معركة استقطاب” حادة، حيث يُطالب الداعية باتخاذ مواقف قد تكون مبنية على معلومات منقوصة أو انفعالات لحظية. التحدي الأكبر هنا هو كيف يظل الداعية “منارة هدى” للجميع، دون أن يتحول إلى “طرف في صراع” يستهلك رصيده الدعوي ويقسم صفوف متبعيه.
أولاً: فقه الأولويات والوظيفة الأساسية وظيفة الداعية الأساسية هي ربط الخلق بالخالق وتبيين أحكام الشرع، وليست تحليل الأحداث السياسية اليومية التي تتغير بين عشية وضحاها. الانغماس المفرط في “السياسة الرقمية” قد يجعل الخطاب الدعوي تابعاً للحدث السياسي بدلاً من أن يكون موجهاً له. الداعية الحكيم هو من يتحدث في الأصول والعدل والحقوق من منظور شرعي ثابت، تاركاً تفاصيل المناورات السياسية لأهل الاختصاص، صيانةً لرسالته من التقلبات.
ثانياً: الحذر من “فخ الاستقطاب” صُممت منصات التواصل الاجتماعي لتشجيع الانقسام (نحن ضد هم)، والداعية الذي ينجر خلف هذه الموجة يخسر صفة “الأبوة الروحية” لجميع المسلمين. عندما يتخذ الداعية مواقف سياسية حادة في مسائل يسوغ فيها الاجتهاد أو يكتنفها الغموض، فإنه يبني جداراً بينه وبين فئات من المجتمع هي أحوج ما تكون لدعوته. السياسة تفرق، والدعوة تجمع، والذكي من عرف كيف يجمع القلوب على الثوابت دون أن يسجن نفسه في خندق سياسي ضيق.
ثالثاً: الكلام بعلم أو الصمت بحلم الخوض في السياسة بغير علم تام بالواقع ومآلات الأمور قد يؤدي إلى فتن عريضة. الكثير من “الفخاخ الرقمية” تُنصب لجر الدعاة إلى تصريحات تُستغل لاحقاً لتشويه المنهج. إذا لم تكن الصورة واضحة، أو كان الكلام سيزيد من اشتعال الفتنة دون مصلحة راجحة، فإنَّ “الصمت الدعوي” هنا يعدُّ موقفاً شجاعاً وحكيماً. تذكر أنك مسؤول عن كل كلمة، وأنَّ الكلمة في الفضاء الرقمي لا تموت ولا تُنسى.
الخلاصة: الداعية ليس منفصلاً عن واقع أمته، لكنه يتعامل معه بمنطق “المصلح” لا بمنطق “السياسي المحترف”. التزام المسار الدعوي يتطلب ترفعاً عن الخصومات الحزبية، وتركيزاً على البناء الإيماني والقيمي الذي هو الأساس لأي صلاح مجتمعي أو سياسي حقيقي.
النصيحة: قبل أن تكتب رأياً في شأن سياسي محتدم، اسأل نفسك: “هل كلامي سيجمع كلمة المسلمين أم سيمزقها؟ وهل سيزيد الناس قرباً من الله أم قرباً من حزب أو طائفة؟”؛ فبوصلة الداعية دائماً تتجه نحو “الأصلح للدين” لا “الأرضى للجمهور”.
قال تعالى: ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ [ هود: 88]