يا مرابطاً على ثغور الكلمة، ويا من فتحتَ بابك للناس عبر نوافذ التعليقات؛ اعلم –رعاك الله– أنَّ تحت كل منشورٍ لك “ميدانًا” للاختبار، لا يثبت فيه إلا من تسلح بحلم النبوة ووقار الصالحين. إنَّ مساحة التعليقات هي “الجانب التطبيقي” لدعوتك؛ ففيها يظهر صبرك على الجاهل، وتواضعك للمتعلم، ورحمتك بالمخالف. فلا تجعل من ردودك ساحةً لانتصار النفس، بل اجعلها مِحراباً تُظهر فيه جمال أخلاق الإسلام وعظمة منطقه.

يا رفيق الدرب، إنَّ المؤالف الذي يشدُّ على يدك ويثني على طرحك، يحتاج منك إلى تواضعٍ يكسر كبر النفس، ودعاءٍ بظهر الغيب يوثق عرى المودة؛ فلا تغترَّ بالمديح فإنه ذبحٌ، بل قل “اللهم اجعلني خيراً مما يظنون”. أما المخالف، فهو فرصتك الذهبية لتجسيد قوله تعالى: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا}. لا تقابل الإساءة بمثلها، ولا تسخر من رأيٍ وإن كان سقيماً، بل حاور بالتي هي أحسن، فإن لم يجدِ الحوار، فليكن صمتك وقاراً، وانسحابك أدباً. إنَّ الناس لا يراقبون صحة قولك بقدر ما يراقبون سمو فعلك عند الخصومة.

اعلم يا رعاك الله، أنَّ كل ردٍّ تكتبه في خانة التعليقات هو “توقيعٌ” منك على وثيقة صدقك؛ فكن حليماً لا يستفزه الجهل، ورفيقاً لا يغلبه الطيش. تذكر أنَّ وراء الحسابات أناساً بقلوبٍ مكلومة، وعقولٍ مشوشة، فكن بلسماً لهم. إنَّ حوارك الهادئ مع مخالفٍ واحد قد يكون سبباً في هداية المئات من “الصامتين” الذين يراقبون المشهد من بعيد. فاجعل كلماتك في التعليقات ممسكةً بزمام الحق، مغلفةً برداء الرحمة، لعل الله يكتب لك القبول في كل حرفٍ تخطه يمينك.

النصيحة: قبل أن تكتب رداً على تعليقٍ استفزك، أغمض عينيك وتذكر قول الله: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}. تنفس بعمق، واكتب ردك بقلبٍ يرجو الهداية للناس، لا بقلبٍ يرجو الغلبة عليهم.

قال تعالى: ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ [ هود: 88]