يعيش المسلم اليوم في زمنٍ تتكاثر فيه الفتن،
وتتشابك فيه الشبهات،
وتتغير فيه القيم بسرعة تُربك القلوب قبل العقول.

في مثل هذا الزمن، لا يكون الثبات أمرًا عارضًا،
بل نعمة عظيمة تحتاج إلى أسباب تحفظها.
ومن أعظم هذه الأسباب التي قد لا ينتبه لها كثيرون: الدعوة إلى الله.

الدعوة تُلزِم صاحبها بالثبات

من دعا إلى الخير، استحيا أن يكون أول المتساهلين به.
ومن حذّر من الباطل، خاف أن يُبتلى به سرًا أو علنًا.

الدعوة لا تعصم الداعية من الخطأ،
لكنها تجعل الخطأ ثقيلًا على قلبه،
وتمنعه من التمادي،
وتدفعه إلى التوبة السريعة.

وهذا هو جوهر الثبات:
ليس ألا تزلّ، بل ألا تستقرّ في الزلل.

لماذا تكون الدعوة حصنًا؟

لأنها تضع الداعية دائمًا في موضع المراقبة.
ليس مراقبة الناس،
بل مراقبة الضمير.

يعلم أن انحرافه لا يقف عنده،
وأن ضعفه قد يكون فتنة لغيره،
فيتحصّن بالوعي،
ويُحسن الاختيار،
ويحتاط لقلبه أكثر من ذي قبل.

وهكذا، تتحول الدعوة من عمل خارجي
إلى سياج داخلي يحفظ الإيمان.

الدعوة تُبقي القلب يقظًا

من أخطر الفتن أن يألف القلب المعصية،
أو يتعايش مع الخطأ دون إنكار.

الداعية لا يستطيع ذلك طويلًا.
لأن لسانه الذي يذكّر،
وقلبه الذي يحمل الرسالة،
يوقظانه كلما حاول الغفلة.

كل معنى ينشره عن الثبات،
يُذكّره أن يثبت.
وكل تحذير يكتبه،
يضعه أولًا أمام نفسه.

فتبقى الروح في حالة انتباه،
لا سلامة مطلقة،
لكن يقظة دائمة.

حين تعصف الفتن من حولك

قد يرى الداعية من كان بالأمس ثابتًا قد تراجع،
ومن كان قريبًا قد ابتعد،
ومن كان ناصحًا قد تغيّر.

في هذه اللحظات،
تكون الدعوة هي الحبل الذي يشدّه إلى الأعلى.
تذكّره لماذا بدأ،
ولأجل من سار،
وما الذي يخسره إن استسلم.

وهنا تتجلّى الحكمة:
من حمل همّ إنقاذ غيره،
أُعين على إنقاذ نفسه.

الثبات ليس قوة… بل معونة

لا يثبت الداعية لأنه أقوى من غيره،
ولا لأنه أذكى،
بل لأنه يطرق باب الله كثيرًا.

الدعوة تجعلك تشعر بالحاجة الدائمة للعون:
“يا رب، إن تركتني إلى نفسي ضعت”.

وهذا الافتقار هو سرّ الثبات.

ثمرة لا يشعر بها إلا بعد زمن

قد لا يدرك الداعية هذه الثمرة وهو في خضم الطريق،
لكن إذا التفت بعد سنوات،
ورأى كم فُتن غيره ونجا هو،
وكم زلّ غيره وثبت هو…
علم أن الله حفظه بسبب ما حمله من همّ البلاغ.

فالدعوة ليست فقط إنقاذًا للآخرين،
بل وقاية لك من نفسك ومن زمنك.

قال تعالى: ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ [ هود: 88]