أخي الداعية الذي استأمنه الله على عقول الناس، يا من تقف خلف هذه الشاشات الصغيرة التي وسعت الدنيا بأسرها؛ قف مع نفسك وقفة صدقٍ وتأمل. إنَّ هؤلاء المتابعين الذين تظهر أرقامهم أمامك ليسوا مجرد إحصائيات، بل هم أرواحٌ حائرة، وعقولٌ تستقي منك الهدى، وقلوبٌ وضعت فيك ثقتها. إنَّ “أمانة الشاشة” عبءٌ ثقيل، فكل حرفٍ تنشره، وكل صورةٍ تشاركها، هي بذرةٌ تزرعها في بصيرة غيرك، فاحذر أن تزرع ما يشوه الفطرة أو يكدّر صفو اليقين.
يا رفيق الدرب، إنَّ اتقاء الله في المتابعين يعني أن تُقدم لهم “صفوة الصواب” لا “شهرة العجب”. لا تجعل رغبتك في حصد الإعجابات تدفعك لتغييب الحقائق أو التلاعب بالعواطف. كن حارساً أميناً على بصيرتهم؛ فلا تنشر إلا ما تثبتَّ من صحته، ولا تتحدث إلا فيما تتقنه، وتذكر أنَّ “التضليل الدعوي” بغير علم هو مزلقةٌ خطيرة. إنَّ أمانتك تقتضي منك أن تكون مرآةً صافية للحق، تُبصرهم بعيوب نفوسهم وتأخذ بأيديهم إلى كمالات الشريعة، بعيداً عن صخب البهرج الذي يسرق الخشوع من القلوب.
اعلم يا رعاك الله، أنك غداً موقوفٌ ومسؤول: ماذا غرست في عقولهم؟ وكيف وجهت أبصارهم؟ إنَّ الشاشة التي تملكها هي “منبرك” الذي ستقف عليه يوم القيامة شاهداً لك أو عليك. فاستحضر رقابة الله قبل كل “نقرة” على هاتفك، واجعل همّك أن تخرج من الدنيا وقد تركت في بصائر الناس نوراً يضيء لهم ظلمات الفتن. إنَّ الصدق في التوجيه هو أعظم هدية تقدمها لمن يتبعك، فكن دليلاً أميناً، وناصحاً مشفقاً، وداعياً يتقي الله في كل من ألقى إليه السمع وهو شهيد.
النصيحة: قبل أن تضغط زر “النشر”، اسأل نفسك: “لو كان النبي ﷺ يرى هذا المنشور الآن، هل سيبتسم له؟”. إذا ترددت في الإجابة، فأعد صياغة كلماتك حتى تطمئن روحك أنها ترضي الله.
قال تعالى: ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ [ هود: 88]