إنَّ العمل للدين ميدانٌ فسيح، تتعدد فيه وجهات النظر وتتباين فيه الوسائل والاجتهادات. والداعية الموفق هو من يدرك أنَّ هذا التنوع يجب أن يكون “تنوع إثراء” لا “تنوع تضاد”. فإذا كان الهدف واحداً وهو إعلاء كلمة الله، فلا يجوز أن تتحول الوسائل إلى جدران تفصل بين القلوب، أو معارك تستهلك الجهود فيما لا ينفع.
أولاً: الاتفاق على الأصول لا يستلزم التطابق في الفروع من القواعد المنهجية التي أرساها سلفنا الصالح: “نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه” (مما يسوغ فيه الخلاف). إذا كان أخوك الداعية يتبع منهج أهل السنة والجماعة، لكنه يختار وسيلة في الدعوة تختلف عن وسيلتك —كأن يركز هو على الجانب العلمي الصرف وتركز أنت على الجانب الرقائقي، أو يستخدم هو منصات تواصل تختلف عن منصاتك— فهذا لا يعني أنه على خطأ، بل يعني أن الثغور متعددة وكلٌّ يسد ثغراً.
ثانياً: حسن الظن وسلامة الصدر يجب على الداعية أن يحذر من مداخل الشيطان التي تزرع الحسد أو الريبة تجاه جهود الآخرين. إذا رأيتَ قبولاً لداعية آخر أو نجاحاً لمشروع دعوي غير مشروعك، فافرح بظهور الحق على يديه؛ فالدين دين الله، والفضل فضل الله. اجعل لسان حالك: “اللهم بارك في جهده وانفع به”، فسلامة الصدر هي التي تبارك في العمل القليل وتنميه.
ثالثاً: النصيحة سراً لا التشهير علناً إذا رأيتَ من أخيك الداعية اجتهاداً تراه مرجوحاً أو خطأً واضحاً، فليكن منطلقك هو “الحرص عليه” لا “الانتصار لنفسك”. النصيحة في السر تفتح القلوب وتؤلف الأرواح، أما التشهير في المنصات أو نقد الأشخاص بأسمائهم أمام العامة، فإنه يضعف هيبة الدعوة ويشمت الأعداء. تذكر أن الهدف هو الإصلاح، والإصلاح لا يمر عبر بوابة الهدم والتشهير.
رابعاً: التكامل بدل التآكل بدلاً من أن نضيع الأوقات في نقد وسائل بعضنا البعض، لنفكر في كيفية التكامل. فالذي يملك مهارة التصميم يكمل من يملك مهارة الكتابة، والذي يخاطب فئة الشباب يكمل من يخاطب فئة كبار السن. إنَّ قوة الدعوة في مجموعها، كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً. حين نتكامل، نصنع جبهة دعوية قوية تسد كل المنافذ أمام الباطل.
الخلاصة العملية: يا أيها الداعية، قلوب الدعاة أمانة، ووحدتهم قوة. لا تجعل اختلاف الوسيلة سبباً لقطيعة الرحم الدعوية. كن عوناً لأخيك، ساداً لخلله، ساتراً لعيبه، فرحاً بنجاحه؛ فكلنا في سفينة واحدة، والغاية هي مرضاة الله وبلوغ الجنة.
قال تعالى: ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ [ هود: 88]