في عالم الفضاء الرقمي، يبرز “الترند” أو الموضوع الرائج كأمواج عاتية تجذب الجميع نحوها، والداعية ليس بمنأى عن هذه الأمواج. المشاركة في الترند هي فرصة ذهبية للوصول لجمهور جديد، لكنها “مخاطرة” أخلاقية تتطلب قدراً عالياً من الحكمة. الداعية الذكي هو من يركب موجة الترند ليقود الناس نحو شاطئ الحق، دون أن يغرق في مستنقع الابتذال أو البحث عن المشاهدات على حساب المبادئ.
أولاً: الترند كـ “وسيلة” لا كـ “غاية” يجب أن يسأل الداعية نفسه: هل هذا الموضوع الرائج يسمح بتقديم قيمة إيمانية؟ إذا كان الترند تافهاً أو قائماً على الفضائح، فإنَّ الانشغال به يقدح في وقار الداعية ومكانة رسالته. أما إذا كان قضية اجتماعية أو حدثاً عاماً، فيمكنك استثماره لتسليط الضوء على هدي نبوي أو حكم شرعي. اجعل هدفك هو “توجيه” الترند لا “اللحاق” به، تماماً كما كان الشيخ محمد الغزالي يستثمر أحداث عصره ليعيد الناس إلى فقه الواقع برؤية إسلامية.
ثانياً: الحذر من “شهوة” الصدارة السريعة الرغبة في أن تكون أول من يعلق على الترند قد تدفعك للنشر دون تثبت، وهذا منزلق خطير. الداعية الموفق يتأنى حتى تتضح معالم الصورة، ثم يتكلم بعلم وعدل. الاندفاع وراء “السبق الرقمي” قد يوقعك في تناقضات أو أخطاء علمية تضر بمصداقيتك. تذكر منهج الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في التثبت والتحقيق؛ فكلمة واحدة رصينة تأتي بعد هدوء العاصفة، خير من ألف كلمة متسرعة تضيع في ضجيج البدايات.
ثالثاً: الارتقاء باللغة والابتعاد عن السخرية كثيراً ما تقوم الترندات على “السخرية” أو “التنمر”، وهنا يظهر معدن الداعية. لا تستخدم لغة الشارع المبتذلة لتجذب الشباب، بل ارتقِ بجمهورك إليك. يمكنك استخدام “البيان الجميل” والأسلوب الجذاب دون التنازل عن وقار العلم. الداعية الذي يستخدم الترند ليعلم الناس الأدب والرفق، يحقق أثراً أعمق بكثير ممن يساير الموجة بلغة هابطة ظناً منه أنه يواكب العصر.
رابعاً: الربط بين “العابر” و”الخالد” سر النجاح في استثمار المواضيع الرائجة هو قدرتك على ربط الحدث اليومي “العابر” بالحقيقة الإيمانية “الخالدة”. إذا كان الناس يتحدثون عن ظاهرة كونية، فحدثهم عن عظمة الخالق. وإذا تحدثوا عن أزمة اقتصادية، فحدثهم عن اليقين والتوكل. هذا الربط يجعل من الترند جسراً يربط الناس بالسماء، ويحول اللحظة الرقمية العابرة إلى موعظة مستقرة في القلب، كما كان يفعل الشيخ محمد صالح ابن عثيمين في ربط المسائل الواقعية بالأصول الشرعية.
الخلاصة العملية: المشاركة في الترند سلاح ذو حدين؛ إما أن يرفع دعوتك لآفاق جديدة، أو يهوي بوقارك في أعين الناس. كن “مؤثراً” بصمتك وبصيرتك قبل كلامك، ولا تبع وقار رسالتك مقابل إعجابات مؤقتة. تذكر أنَّ القبول من الله، وأنَّ الكلمة التي تخرج لتنصر الحق في زحمة الباطل هي التي يكتب الله لها البقاء والأثر.
قال تعالى: ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ [ هود: 88]